من الكيان الغاصب إلى الدولة المدنية الشورية: أولوية قضية الشرعية



          ———————————————
يتحدث الكثيرون من الذين يتصدرون المشهد السياسي كـ "معارضين" أو كما يحبون تسمية أنفسهم "إصلاحيين" عن الوطن وحبه والحرص عليه والنضال من أجله… الخ. ويقصدون بالوطن المهلكة السعودية، أو حتى من يتحدث منهم عن كتابة دستور لهذا الوطن المزعوم، وهي خطوة لاحقة أصلاً تأتي بعد تأسيس الدولة ونيلها للشرعية التي مصدرها اختيار الشعب والقيم والمبادئ الإسلامية. ناهيك عن أنك غير مخول أساسًا بالقيام بمثل هذه المهمة وحدك، فالشعب هو الذي يختار ممثليه ليقوموا هم - بمساعدة المختصين - بكتابة هذا الدستور، وهي مرحلة لاحقة على كل حال.

لكن لم ينتبه الجميع إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنه لا وجود لدولة أصلاً. ليس هناك وطن بعد، ما هو موجود عبارة عن كيان وراثي غاصب لا شرعية له. لولا السلاح والتجهيل والدعم الغربي، ما بقي حتى يومنا هذا. وبالتالي، لا يصح أن يطلق عليه اسم دولة أو وطن. فالشعب أولاً لم يختر هذا الواقع وشكل الحكم الذي أصبحوا بموجبه "سعوديين"، أي تابعين مملوكين لآل سعود، ولم يختر حدود هذا الكيان الذي يحتل جزيرة العرب، ولم يختر آل سعود أو حتى يتشارك معهم في الحكم أو حتى في أتفه الأمور. شعب بلا قرار. وكيف له أن يختار عائلة كي تتوارثه وتستأثر بالقرار والثروة؟ كيف يجتمع الخيار والتوريث أصلاً؟ كيف يجتمع حكم الشورى وحكم الوراثة؟ هذا مستحيل، فضدان لا يجتمعان، وإذا كان التوريث، فلا وجود للشورى، وإذا كانت الشورى، فلا مجال للتوريث. هل يمكن أن يجتمع الليل والنهار في آن واحد؟!


إذاً، لا وجود لشعب موحد برضاه وله هويته الأصيلة التي تعبر عنه وعن قيمه ومبادئه، ولا وجود للأرض فقد استولى عليها آل سعود وجعلوها أملاكًا خاصة لهم حصراً، ولا وجود لحكومة أو نظام حكم منتخب ومتوافق عليه من قبل الشعب، ولا وجود لسيادة حقيقية لهذا الشعب أو حتى لهذا الكيان المصطنع المفروض بقوة السلاح والأمر الواقع.


وإن كانت الدولة تُعرَّف بأنها أرض وشعب وحكومة وسيادة، أي أرض مستقلة متوافق عليها ومعترف بها، أي ليست مغتصبة من أحد أو شعب آخر، وشعب حر مجتمع بإرادته وخياره، وحكومة مختارة طبقًا لدستور وقوانين ومواثيق متوافق عليها شعبيًا، وسيادة تعبر عن الاستقلال والحرية لهذه الدولة وشعبها… فإنه لا ينطبق أي من تلك العناصر على الواقع الموجود في جزيرة العرب، واقع الكيان السعودي، ويشمل ذلك بطبيعة الحال بقية الكيانات المصطنعة (قطر، البحرين، الكويت، عمان، الإمارات…).


الذي لا يزال يجهله هؤلاء أو لا يريدون الاعتراف به هو أنه لا وجود لدولة في جزيرة العرب حتى هذا التاريخ. وكان أول وآخر دولة حقيقية فيها (أي في جزيرة العرب)، دولة مدنية ذات شرعية تأسست على الاختيار والتوافق والرضا الشعبي، ولها دستورها وقوانينها وسيادتها، والناس فيها متساوون أمام القانون ويتمتعون بأعلى درجات الحرية بكل مستوياتها وحقوقهم الإنسانية محمية ومكفولة، ويشعرون بعدالة توزيع السلطة والثروة… الخ. كانت دولة المدينة التي أسسها سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدها، وتحديدًا منذ بداية تأسيس النظام الوراثي في تاريخ المسلمين على يد الطلقاء، والقضاء على الشورى… لم تقم دولة بالمعنى الحقيقي والحضاري والإنساني في جزيرة العرب حتى الآن.


إذن، نحن لم نؤسس دولة بعد، لتكن تلك الأولوية، ولنؤسس دولة لا بد لها من شرعية. وطريق الشرعية كان ولا يزال وسيظل رضا واختيار الشعب والتزام الدولة بالقيم العلوية والمبادئ الإسلامية (الحرية، العدالة، حق الشعب في حكم نفسه "الشورى"، المساواة، الكرامة للجميع دون تمييز). ولهذا نحن حريصون على أن نصوب للإصلاحيين الذين يصبون جام غضبهم على مواضيع ليست جوهرية أو يجعلون بن سلمان هو أساس كل بلاء تعانيه الأمة، متناسين أنه ليس إلا نتيجة طبيعية لهذا الحكم الوراثي العائلي في ظل هذا الكيان الغاصب الفاقد لكل شرعية.


نحن حريصون على أن نوجه الجهود المبذولة والطاقات الشبابية الغاضبة التي تعاني الكبت والتهميش والإقصاء نحو المسار الصحيح، مسار المستقبل والنهضة والتغيير؛ ولذلك كنا قد ذكرنا في مقال سابق أن الأسباب الحقيقية التي دفعتنا لمعارضة آل سعود تتمثل في هذه الأسباب الخمسة على سبيل الإجمال لا الحصر طبعًا، وقلنا هي:

• انعدام الشرعية

• الحكم الوراثي

• فرض الهوية السعودية

• فرض العقيدة الوهابية

• احتكار الثروة بيد القلة (آل سعود وحواشيهم). 

وهذا ما نحاول أن يركز عليه الشباب العربي (شباب وشابات جزيرة العرب)، بحيث لو فعلوا ذلك لحلت القضايا التي يعتبرونها أكثر إلحاحًا مثل البطالة والفقر وارتفاع الأسعار… الخ. فهم إن ركزوا على هذه الأسباب وبدأوا في التساؤل - على سبيل المثال - هكذا تساؤلات: ما هي شرعية هذا الكيان السعودي "السعودية"؟ بأي حق يحكمنا حصراً آل سعود ويتوارثوننا وكأننا بهائم أو قطع متاع في حظيرتهم؟ وبأي منطق صرنا "سعوديين"؟ ألا نعرف أسماء آبائنا مثلًا حتى ينسبنا ابن سعود إليه؟ ألسنا عربًا ومسلمين ولنا جذور وتاريخ وهوية ودين؟ ومن هو محمد بن عبد الوهاب هذا وعقيدته الوهابية؟ أهو رسول أو نبي؟ ماذا يعني أن يفرض ابن سعود عقيدة كهنوتية كهذه على شعب بالملايين؟ أين الإسلام وحرية الاعتقاد؟ وهل كنا مشركين مثلًا أو ملاحدة حتى جاءنا ابن عبد الوهاب وصحح لنا الدين؟ ما هذا الهراء؟ وبأي حق تكون البلاد كلها بثرواتها وخيراتها ملكًا لآل سعود؟ بأي حق يحصل كل فرد من آل سعود على مخصصات منذ الولادة بينما هناك من الشعب من لا يجد ما يسد به جوعه أو يغطي تكاليف علاجه أو يسدد به فواتير الماء والكهرباء؟ إلى آخر ذلك من التساؤلات التي تغوص نحو الجذور الحقيقية لكل المشاكل التي نعاني منها اليوم. فلا ينبغي أن تضيع الجهود على محاولات معالجة العوارض الجانبية للمرض، وإنما ينبغي حشد كل الجهود والقوى لمواجهة المرض نفسه وحصاره حتى القضاء عليه.


لماذا نحن نصر على قضية الشرعية؟ ببساطة لأن على أساسها ينبني كل شيء. وإذا كانت الشرعية طريقها - وهي - الخيار الشعبي والقيم الإسلامية وحقوق الإنسان، فذلك وحده كفيل بمعالجة كل ما يطرأ من مشاكل لاحقًا، لأن الشرعية تعني أن الشعب هو من يقرر، وبالتالي من بيده القرار لن يسكت عن هضم حقوقه أو تدهور حالته المعيشية والاقتصادية والاجتماعية. من يتمتع بالحرية سيستطيع أن يطالب بالخبز والعمل والحياة الكريمة، ومن لا حرية له لا كرامة له ولا حياة له، ولن يلتفت إليه أحد ولن يقدر حتى على الصراخ من شدة الألم والمعاناة. إذاً نحن نتحدث عن قضية بالغة الأهمية، فالكيان الذي لا شرعية له وتمكن بالتغلب لن يهمه إن أكل الناس أو جاعوا، إن رضوا أو غضبوا، ولا يمكن لحاكم أتى بالسيف والوراثة أن يفهم معاناة الشعب ويحترم خياره وحقوقه ويعي أنه مجرد موظف لدى الشعب لا فوق الشعب.


قضية الشرعية إذاً هي أهم قضية وهي الأولوية القصوى لكل معارض للكيان السعودي (أو هكذا ينبغي)، وهي وحدها كفيلة بإسقاط هذا الكيان وتفكيكه إن وجدت الاهتمام والتركيز اللازمين من الشباب والشابات وكل النشطاء والمعارضين في الخارج والداخل. يكفي أن يقتنع الناس بعدم شرعية هذا الكيان وما يتعلق به، وأنهم بالفعل لم يختاروه، وإن أرادوا أن يختاروا اليوم أو يشاركوا في أي قرار يخص هذا الكيان فلن يستطيعوا، ولن يسمح لهم ابن سعود بذلك. يكفي أن يعوا ذلك حتى تتوجه طاقة الغضب نحو المسار الصحيح، مسار التغيير والمستقبل الذي يحتم تفكيك هذا الكيان الوراثي الغاصب وتأسيس دولة مدنية جمهورية اتحادية شورية (ديمقراطية) تقوم برضا الشعب واختياره، ويحكم الشعب فيها نفسه بنفسه، ويختار اسمها وعلمها ويضع دستورها وقوانينها ويشارك في كل صغيرة وكبيرة عبر ممثليه المنتخبين في كل مناطق البلاد، سواء في المجالس المحلية لكل منطقة أو في المجلس الاتحادي الذي يضم ممثلي الشعب عن كل منطقة حيث يُنتخَبون من قبل مجالسهم المحلية لتمثيل مناطقهم في مجلس الشورى الاتحادي الذي سيكون كما اقترحنا في العاصمة الاتحادية للدولة وهي المدينة المنورة.


على أن حتى هذا الاقتراح (اقتراح أن تكون المدينة هي العاصمة) سيخضع للتصويت - كما حالة الاتحاد أيضًا - في المجلس الاتحادي. وقد شرحنا وفصلنا ذلك في الكتيب المنشور بعنوان "مقترح عبور لما بعد سقوط آل سعود". 


ما نود قوله والتأكيد عليه في هذا المقال هو أننا بحاجة لتسليط الضوء على هذه الحقيقة التي يجهلها ويتنكر لها الكثيرون من النشطاء والمعارضين، خاصة الذين في الخارج، وهي أنه لا وجود لدولة أصلاً في جزيرة العرب، وأن ما هو موجود الآن إنما هو عبارة عن كيان غاصب وراثي لا شرعية له على الإطلاق، قام بالسيف ويحكم بالسيف ومستمر بالسيف. وأن نعي أن الأولوية الحقيقية التي يجب التركيز عليها وحشد القوى والجهود في اتجاهها هي قضية الشرعية، التي إن حُلّت سينهار معها الحكم الوراثي، ونتخلص من ما يسمى بـ "الهوية السعودية"، وينتهي فرض العقيدة الوهابية التكفيرية، وينتهي مع زوال وتفكك هذا الكيان الغاصب احتكار آل سعود وحواشيهم للثروة وخيرات هذه الأرض، وبالتالي تعود للشعب لتكون تحت تصرفه الكامل عبر ممثليه المنتخبين في مجلس الشورى الاتحادي.

تعليقات

المشاركات الشائعة