أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ((منكم))!
* تعليق لمغرّد سعودي (مسعدن) استشهد فيه بالآية الداعية لطاعة الرسول وأولي الأمر، قاصدًا منها حثي على طاعة آل سعود وترك معارضتهم.
——————
أولو الأمر: مَن هم؟ وحدود طاعتهم؟
نقتبس مما جاء في كتابنا (مفهوم الملك في القرآن): "..أما الملك العام، فهو شورى بين الناس، وبذلك نفهم دلالة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، فقال: «وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ»، أي إنهم جمع لا فرد، يُمثِّلون أمةً لا سُلالة، وبذلك ينسجم هذا الفهم مع الأمر الإلهي بالشورى… فأولي الأمر هم الجماعة المنتخبة منّا، بما يحقق الإرادة الشعبيّة الحقيقيّة.
هم ممثلو الشعب من الشعب نفسه، ويمثلون السلطة التشريعية «الاجتهاد» (البرلمان المنتخب). وطاعتهم ليست لأشخاصهم هم، وإنما للقوانين التي يضعونها بإرادة الشعب نفسه ورضاه عليها (أي: مع إمكانية اعتراض الشعب عليها وردّها). والطاعة هنا لا تعني القهر والإكراه، وإنما الانقياد بعد اختيار واقتناع (ومنها التطوع، فهو أمر اختياري لا قهري). وهي طاعة منفصلة عن طاعة الله، بحيث لا تصبح طاعتهم طاعة لله، ولا عصيانهم عصيانًا له سبحانه.
لكنها أيضًا مقيدة بحدود رسالته الخاتمة، وحدود العقل والمنطق، والتي هي إنسانية وصالحة لكل زمان ومكان: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، وحاكميته المتمثلة بالمحرّمات التي في كتابه العزيز (وهي معدودة وإنسانيّة، ويتفق عليها كل أهل الأرض)، وليس فتاوى التحريم لدى المتقولين على الله سبحانه. وبما يتوافق مع حرية الإنسان (حيث هي شرط التكليف وأصل الإيمان)، وفطرته التي فطره المولى سبحانه عليها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).
لقد جاء التعبير بـ«أولي الأمر» بصيغة الجمع لا المفرد، مما ينفي تصور الحاكم الفرد أو السلطة المطلقة أو الملك الوراثي الذي يحتكر الحكم والقرار ويجعله في نسلٍ معينٍ يتوارث، كما يتوارث المتاع، ويؤكد أن الأمر شورى، وأن السلطة تتوزع بين أهل الشورى والاختصاص والخبرة.
وهذا يتسق مع ما قرره القرآن في وصفه للذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، بقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38)، ومع ما أثبته البحث سابقًا من رفض القرآن لحصر السلطة في فرد أو سلالة، وتمييزه بين التمليك المطلق، الذي لا يقع لبشرٍ ولا لمخلوق، والتمكين المشروط، الذي هو أحد صور الملك الجزئي النسبي، التابع لملك (مالك الملك)، ومالك كل شيء، واشتراطه العدالة والشورى لتحقيق التداول الشرعي للسلطة.
ثم جاء التعبير بـ«مِنكُمْ» لا «عليكم»، دلالة على أن هؤلاء القادة أو الممثلين السياسيين هم من اختيار الأمة، منبثقون منها، يعبّرون عنها، لا مفروضون عليها. وهذا يدحض شرعية من يتسلطون على الشعوب بغير اختيار حر مباشر، كما يدحض منطق الاصطفاء الوراثي أو التمكين القهري باسم "القدر" والحق الإلهي في الحكم.
ويكتمل الإطار القرآني لطبيعة السلطة الشرعية بأن الطاعة هنا مشروطة ومقيدة، وليست مطلقة، إذ جاءت الطاعة لله أولًا، ثم للرسول (أي: للرسالة وحدودها) الذي بلّغ الوحي.
أما «أولو الأمر»، فلم تتكرر معهم «وأطيعوا»، بل عُطفت طاعتهم على طاعة الرسول؛ ما يشير إلى أنهم لا يُطاعون لذواتهم، بل لما يحققونه من التزام بحدود الرسالة، وما يحققونه من عدل، وما يضعونه من قوانين بإرادة الشعب وموافقة مقاصد وحدود الشرع الحنيف.
وهذا يعني أن طاعتهم مرهونة بتحقيق المقاصد العليا للشريعة الخاتمة، وملتزمة بقيم الحرية، والكرامة، والعدالة، وحقوق الإنسان، ومفتوحة للمراجعة والاعتراض.
وتزيد الآية توضيحًا حين تقول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، ما يثبت أن المرجعية النهائية ليست لأولي الأمر، بل للوحي، والميزان الإلهي، والرسالة (القرآن)، وأن الاحتكام عند النزاع لا يكون لسلطانهم، بل للنص المحكم، والفطرة، والعقل.
وبذلك، يتضح أن «أولي الأمر» في التصور القرآني هم جماعة منتخبة بالشورى، ذات شرعية نابعة من الأمة، تمارس وظيفتها في التشريع والإدارة، بما يتسق مع القيم الكونية التي جاء بها الإسلام، وأن طاعتهم مرتبطة بالعقد الاجتماعي (بيعة) بين الأمة وممثليها، لا تُفرَض، بل تُبنى على الحرية، والرضا، والإرادة الجمعية؛ ما يجعل هذا المفهوم القرآني سندًا شرعيًا لفكرة الدولة المدنية الشورية، التي تقوم على التداول، لا التملّك الوراثي.
وأن الملك هنا (أي السلطان) هو للأمة، فهو من الملك العام، والملك العام لا وراثة فيه مطلقًا. على أن تلتزم بالتشريع الإسلامي، الذي هو تشريع إنساني، مدني، عالمي، ومتوافق مع ظروف كل مجتمع وكل زمن، ولا يفرّق بين المسلم وغير المسلم.
والاجتهاد في التشريع ضمن حدود الله هو من مهام ممثلي الشعب، الذين يُنتخبون انتخابًا حرًّا، وأهل العلم والمعرفة والرأي، لا الكهنة وتجار الدين والمشعوذين، واجتهاداتهم تخضع للتصويت والقبول أو الرفض.
وطاعتهم غير مطلقة، فلكل زمان متغيراته ومجتهدوه. ومعظم تشريعات المجتمعات المتحضّرة هي أصلاً ضمن حدود الله، وبالتالي هي إسلامية، وإن لم يعلموا بذلك: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).


تعليقات
إرسال تعليق