يقظة الشعوب ووعيها بحقوقها وحرياتها: السلاح القاهر للاستبداد

الاستبدادُ يتربصُ بالمجتمعاتِ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، ولا يوجدُ مجتمعٌ له حصانةٌ ضدَّ الاستبدادِ، حتى في الدولِ الراسخةِ فيها الديمقراطيةُ وتقاليدُها. ولذلك، لا يجوزُ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ أن تغفلَ هذه المجتمعاتُ عن قضيةِ الحريةِ، ولا أن يتذرَّعَ الفردُ هناك بمشاغلِ الحياةِ اليوميةِ وكسبِ لقمةِ العيشِ فيلتهيَ أو يغفلَ عن حريته وحقوقه الإنسانيةِ. لهذا كان ولا يزالُ، وسيظلُّ السلاحُ الوحيدُ القاهرُ للاستبدادِ عبرَ التاريخِ وإلى يومِ الدينِ هو يقظةُ الشعوب ووعيها بحقوقها وحرياتها، وغيرتها وحرصها المطلقُ على حرياتِ أفرادها وحقوقهم وكرامتهم. هذا وحده السلاحُ القاهرُ للاستبدادِ والظلمِ وكلِّ مستبدٍّ متربصٍ. نعم، حقُّك أن تطلبَ الرزقَ وتسعى إلى ذلك ما استطعت، لكن واجبُك أن لا تغفلَ عن حريتك وحقوقك وحقوق الآخرين التي تمكِّنك وغيرك من العيش بحرية وكرامة وطلب الرزق الحلال دون خوفٍ أو إذلالٍ.


إنَّ الاستبدادَ كالحيوانِ المفترسِ الذي يتربصُ بفريستهِ حتى تغفلَ وتطمئنُّ إلى أنه لا أخطارٍ محدقةً بها، حتى ينقضَّ عليها ليفترسَها ولا يبقي منها شيئًا. كذلك الحالُ بالنسبةِ للمجتمعاتِ التي تطمئنُّ للحياةِ الدنيا وتتناسى القيمَ العليا، وعلى رأسِها الحريةُ والكرامةُ الإنسانيةُ. فما إن يحدثُ ذلكَ حتى يتمكنُ الاستبدادُ منها ويُحكم سيطرتهُ عليها.


أتحدثُ عن مجتمعاتٍ ودول قد قطعتْ أشواطًا كثيرةً وطويلة في الحياةِ الديمقراطيةِ وحقوقِ الإنسانِ، ومع ذلك، شبحُ الاستبدادِ يحومُ حواليها طوالَ الوقتِ، ينتظرُ أن تغفلَ لحظةً واحدةً حتى يقتنصَ الفرصةَ ويبسطَ سيطرتهُ. ولعلَّ ملامحَ ذلكَ تتضحُ اليومَ في كثيرٍ من الدولِ الديمقراطيةِ، سواء في أوروبا أو أمريكا، حيث صعودُ اليمينِ المتطرفِ والقوى المعاديةِ للحريةِ والديمقراطية والمهاجرين والتعدديةِ الثقافيةِ وحقوقِ الإنسانِ. فهذا الكونغرسُ الأمريكيُّ يُقتحمُ ويُكسّرُ من قبلِ أنصارِ ترامبَ لأنه لم يفزْ في الانتخاباتِ السابقةِ. ولولا أنه فاز مجددًا في الانتخاباتِ الأخيرةِ لربما كان المشهدُ اليومَ مختلفًا. على أنَّ ذلكَ الخطرَ لا يزالُ قائمًا، فمن يضمنُ أن يسلّمَ السلطةَ في آخرِ فترتهِ الحاليةِ، وهي الفترةُ الأخيرةُ، دون عنفٍ أو انقلابٍ كاملٍ يغيرُ كلَّ شيءٍ في أمريكا؟!


وهذه أوروبا تشهدُ صعودًا غيرَ مسبوقٍ لأحزابِ اليمينِ المتطرفِ. ولا أبلغَ على ذلكَ من الهجمات العنصريةِ ضد اللاجئينَ في بريطانيا قبلَ بضعةِ أشهرٍ، حيث شهدتْ البلادُ موجةً من الهجماتِ، وإحراقِ السياراتِ والمنازلِ وفنادقِ إيواءِ اللاجئينِ، والاعتداءِ بالضربِ على كلِّ شخصٍ غيرِ أبيضٍ، ومحاولتهم اقتحامَ وإحراقَ عددٍ من المساجدِ، لولا أنَّ المسلمينَ الشجعانَ كانوا لهم بالمرصادِ ولقنوهم درسًا قاسيًا بعد أن عجزتِ السلطاتُ عن ضبطِ الأمنِ وحمايةِ الناسِ. ولا ننسَ أيضًا أنَّ أعدادًا كبيرةً من الشعبِ نفسه خرجتْ أخيرًا وصرختْ في الشوارعِ رافضةً هذا العنفَ والعنصريةَ، ورفعتْ شعاراتِ الترحيبِ باللاجئينِ، ووقفوا صفًا واحدًا ضدَّ تلك الهجماتِ التي استمرتْ قرابةَ أسبوعين، حُرِمَ فيها كلُّ غيرِ البيض من الخروج في الشوارع التي كانت تحت سيطرة عصابات اليمين المتطرف التي كانت تعتدي على المارة والناس في أعمالها وبيوتها لمجرد أنهم من غير البريطانيين البيض. ولا ننسَ دعم الصهاينة لتلك الأحداث ونشر المعلومات المغلوطة لمزيد من إشعال الحرب بين اليمينيين والمسلمين هناك.


لماذا أذكرُ كلَّ ذلك؟ لأقولَ إنه لا حصانةَ لأيِّ مجتمعٍ من عودةِ الاستبدادِ في أيِّ لحظةٍ، والتي قد ينجم عنها اشتعال حروبٍ أهلية وطائفيةٍ دموية، حتى وإن كانت الديمقراطيةُ راسخةً في ذلكَ المجتمعِ. ولا سلاحَ قاهرًا للاستبدادِ وقادرًا على دحرهِ وإذلالهِ في كلِّ مرةٍ سوى يقظةِ كلِّ فردٍ في كل المجتمعات ووعيهِ بحقوقه وحرياته وكرامتهِ الإنسانيةِ له ولكل إنسان دون تمييز أو إقصاء. ولهذا، فإنَّ كلَّ فردٍ في هذه المجتمعاتِ وكلِّ المجتمعاتِ الإنسانيةِ مدعوٌ ليكونَ ذا وعيٍ ونشاطٍ سياسيٍ وحقوقيٍ، مدافعًا عن الحرياتِ وحقوقِ وكرامةِ الإنسانِ، كلِّ إنسانٍ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وهذا وحده الضامنُ الوحيدُ لعدمِ عودةِ الاستبدادِ والقدرةِ على دحرهِ في كلِّ مرةٍ يحاولُ فيها العودةَ تحتَ شعاراتٍ مختلفةٍ. 


وأنا أكتبُ هذا الكلامَ وأشيرُ إلى أمثلةٍ من المجتمعاتِ الغربيةِ، حيث هناك حدٌّ معقولٌ من الحريةِ وحقوقِ الإنسانِ، ومع ذلك، أخطارُ الاستبدادِ تحدقُ بهم… أتساءلُ: فما بالُنا بمجتمعاتٍ لم تذقْ طعمَ الحريةِ يومًا، وما تزالُ ترزحُ تحتَ وطأةِ الاستبدادِ وحكمِ التوريثِ والإقطاعِ والكهنوتِ والفسادِ والإجرامِ والإرهابِ، وتعادي كلَّ من يدعو لحكمِ الشورى، وعدالةِ توزيعِ السلطةِ والثروةِ، والمساواةِ أمامَ القانونِ، والحرياتِ وحقوقِ الإنسانِ… الخ؟ إنَّ هكذا مجتمعاتٍ لهي بأمسِّ الحاجةِ لأن تُوعّى بحقوقها الإنسانيةِ، وتُستنهض هممها، وتُحشد طاقاتها في مواجهةِ أخطرِ الأخطارِ وأفظعِ الفظائعِ والشرِّ المطلقِ.. أعني الاستبدادَ، أعني الطغيانَ، أعني حكمَ التوريثِ والإقطاعِ والفسادِ واحتكارِ السلطةِ والثرواتِ وما يجلبه ذلك من حروبٍ أهليةٍ وطائفيةٍ وفسادٍ ودمارٍ على كل المستويات.


ولهذا، فإننا جميعًا مدعوون لأن نستنهضَ الهممَ وننشرَ الوعيَ السياسيَّ والحقوقيَّ، بدءًا بالأقربِ منا، ليبدأَ كلُّ فردٍ منا بعائلتهِ، ثم أقاربهِ وأصدقائهِ وأبناء حيه وقريته ومدينته… وهكذا حتى نحدثَ ثورةً في الوعيِ الجمعيِّ العربيِّ لتندلعَ بعدها ثورةُ الشعوبِ مدفوعةً بوعيها لحقوقها السياسيةِ والإنسانيةِ، وتعرفُ ماذا تريدُ بعدَ إسقاطِ أنظمةِ الجورِ والطغيانِ والتوريثِ والإفسادِ.


الكلامُ يطولُ بطبيعةِ الحالِ، ولكن ما أودُّ أن أشيرَ إليه وأؤكدَ عليه في هذا الصدد هو أنَّ كلَّ فردٍ في أيِّ مجتمعٍ ملزمٌ بأن يكونَ لديه الوعيُ المطلوبُ بحقوقه وحرياته - له ولغيره - حتى لا يكونَ فريسةً للاستبدادِ والاستعبادِ في لحظة غفلته. وفي مجتمعاتنا العربية، حيث نعيشُ خارجَ التاريخِ، الأمرُ أشدُّ خطرًا وكارثيةً، ولذلك فالمسؤوليةُ أكبرُ تجاهَ تعليمِ الناسِ بحقوقها وحشدِ القوى في سبيلِ التحررِ وانتزاعِ الحقوقِ كاملةً، وإقامةِ دولٍ مدنية شورية (ديمقراطية) حرةٍ تُحقَّقُ فيها عدالةَ توزيعِ السلطةِ والثروةِ، ويتساوى الناسُ فيها أمامَ القانونِ الذي يضعه ممثلو الشعبِ المنتخبونَ بأصواتِ الشعبِ نفسه. حتى نحققَ المبدأَ الإسلاميَّ الذي حوربَ على مدارِ تاريخنا البئيسِ، مبدأَ الشورى، حيث الشعبُ يحكمُ نفسه بنفسه مسترشدًا بالأنوارِ الإلهيةِ والقيمِ والمبادئِ الإسلاميةِ العليا، والحريةِ على رأسها.

تعليقات

المشاركات الشائعة