الانتخابات المؤجّلة: الجولاني رئيسًا لسوريا بشرع التغلّب والأمر الواقع


هذه مقالة كنتُ قد كتبتها قبل شهر من الآن، أعيد نشرها اليوم بعد خبر تنصيب الجولاني نفسه رئيسًا لسوريا دون انتخابات ولا دستور ولا قوانين ولا أي من ذلك، والذي سيتوجه في أول زيارة له بعد أن نصّب نفسه رئيسًا إلى الكيان السعودي الداعم لكل سلطة تغلّب وطغيان وتوريث وقهر لإرادة الشعوب.

وفيها (أي هذه المقالة) علّقتُ على تصريح الجولاني حول موعد الانتخابات الذي سيتطلب ما لا يقل عن أربع سنوات، وعدم إمكانية كتابة دستور جديد لسوريا في أقل من أربع سنوات كذلك. وأكّدتُ على أن هذا التصريح إنما هو نذير خطر محدق يتهدد الشعب السوري ويضرب بتضحياته ودماء أبنائه وبناته في سبيل نيله الحرية والكرامة وكامل حقوقه السياسية والإنسانية عرض الحائط، غير آبهٍ بها. وقلنا إن هذه السلطة الجديدة إنما هي سلطة مُتغلِّبة لا شرعية لها، وبما أنها كذلك، فلا فرق بينها وبين سلطة الأسد طالما أن كلاهما لم يخترهم الشعب، وإنما بالتغلّب عليه وقهر إرادته. هذا فضلاً عن الماضي (المستمر) لهذه الجماعات الكهنوتية الوهابية الإرهابية بقيادة الجولاني الملطخة أيديها بدماء الأبرياء من المسلمين وغير المسلمين. وكنا قد نشرنا قبل مدة مقطعًا لوزير العدل الجديد (شادي الويسي) في حكومة الجولاني، وفيه يأمر ويشرف بنفسه على إعدام امرأة بتهمة "الدعارة"، وهذا حكم ما أنزل الله به من سلطان. وعندما انتشر المقطع وتأكد الناس من هوية الوزير (القاضي وقتها)، توقع الناس أن يُعزل أو أن يحدث أي شيء (ولو لامتصاص غضب الناس) من قبل قادة السلطة المُتغلِّبة، فكان أن تجاهلوا القضية بل وزاد الوزير من ظهوره متحدثًا عن تحقيق العدالة ومحاسبة المجرمين وسعيه نحو تطبيق الشريعة! وَهَل يُنتَظَرُ أَصْلًا مِن حُكْمٍ مُتَغَلِّبٍ تَحْقِيقُ عَدْلٍ أَوْ نُصْرَةِ مَظْلُومٍ أَوْ أَيِّ خَيْرٍ؟


- نص المقالة:

يقول الجولاني، زعيم سلطة التغلّب الجديدة في سوريا الجديدة: "تنظيم انتخابات في سوريا قد يستغرق أربع سنوات، وكتابة دستور جديد يحتاج ما لا يقل عن ثلاث سنوات أيضًا!"

قبل كل شيء: نحن نؤكد أن السلطة الجديدة في دمشق بقيادة هذا الشخص (الجولاني) هي سلطة مُتغلِّبة، لا شرعية لها حتى إجراء انتخابات حرة ونزيهة يُعبِّر من خلالها الشعب السوري عن إرادته وطموحاته، وبذلك تتحقق الشرعية، بجانب طبعًا مبادئ الإسلام الكبرى (الحرية، الشورى (حق الشعوب في حكم نفسها)، العدالة، المساواة والكرامة للجميع دون تمييز).

والعجيب أن بعض السوريين ممن أصابتهم لوثة "الذهنية الخليجية العبودية" يقولون إن سبب فشل وسرقة ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وغيرها كان إجراء الانتخابات!!!، وليس دول الثورة المضادة كما كنا نعتقد نحن، والتي تتربص اليوم بسوريا وتريد إعادتها لحظيرة الاستبداد والتوريث العربية!!

‏ويقولون إن مدة أربع سنوات مهمة لحلحلة مشاكل البلد (وربما مشاكل الكوكب كذلك) قبل ترتيب العملية الانتخابية، الانتخابات تكون آخر شيء ولا أهمية لها!!! لا مشكلة عندهم!!

‏ويعتبرون ذلك منطقيًا وعاديًا!!! (ما فائدة الثورة إذًا؟؟) وتشعر وهم يقولون ذلك وكأن سوريا هذه قارة وليست دولة صغيرة!!

‏ولم يتساءلوا طبعًا: إذا كان تأخير الانتخابات هو لترتيب أوضاع البلد المدمر ومعالجة كوارثه، فما فائدة من ستنتخبونهم إذًا؟؟

‏أليسوا هم الذين يُفترض بهم معالجة مشاكل البلد والنهضة به بما ينسجم مع تطلعات وطموحات الشعب، وتحت رقابته ومساءلته؟؟!

اعلموا هداكم الله، إن أي تأخير في قضية ((الشرعية)) التي لا سبيل لها سوى الانتخابات الحرة والنزيهة سيؤدي لا محالة إلى إعادة توليد الاستبداد من جديد، وربما حتى التوريث كذلك!!

الشرعية هي أولى الأولويات، وعليها ينبني كل شيء، بما في ذلك الدستور والقانون.

وما لم تكن الأولوية الآن للقيادة السورية ((المُتغلِّبة)) الجديدة، بجانب تصريف الأعمال، هي العمل بكل السبل المتاحة والممكنة لإجراء انتخابات المجلس التأسيسي بأسرع وقت، الذي سيضع الدستور، وفيه كذلك (أي في المجلس) يكون الاتفاق على مبادئ أو ميثاق ما فوق الدستور.

فالشورى (وآليتها المعاصرة هي الديمقراطية)، والحريات العامة، وحقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، والقيم الإنسانية (الإسلامية) كلها أمور فوق الدستور، لا تتغير ولا تخضع للرأي والرأي الآخر أصلًا… ثم يتم تشكيل الحكومة السورية الجديدة، ليتم - ويمكن - بعد ذلك الإعلان عن بدء انتخابات الرئاسة لاختيار رئيس للجمهورية الجديدة، مع التوقف عن نشر مثل هذه المبررات: "البلد مدمر، ونصف الشعب مهجر، ولا يمكن إجراء الانتخابات إلا ربما بعد ٤ سنوات"!! وقد تصل إلى ٤٠ سنة!!! من يدري؟ لا ضامن!!

أقول، ما لم تكن هذه هي الأولوية، فسوريا تتجه نحو المجهول!

وإجراء الانتخابات لا يستلزم تواجد جميع المواطنين في البلد. ما فائدة السفارات والقنصليات في الخارج إذًا؟ كما أن الوسائل الإلكترونية اليوم تساعد على تسهيل وتسريع إجراء الانتخابات حتى للمواطنين في الخارج، والخبراء في هذا المجال يعرفون ذلك جيدًا.

أريد أن أقول إنه لا عذر ولا مبرر لتأجيل قضية ((الشرعية))، التي لا سبيل لها سوى الانتخابات الحرة التي تحقق التمثيل المعقول والمقبول لشرائح وطوائف الشعب المختلفة في عموم البلاد.

وتمثيلٌ معقولٌ خيرٌ من انعدامِ التمثيلِ في ظلِّ حكمِ وسيطرةِ المُتغلِّب.

ولن يستفيد من هذا التأخير، الذي يمسّ أهم قضية قامت من أجلها الثورة، سوى من يريد عودة الاستبداد والفساد، وبالتالي عودة اللاشرعية والخراب من جديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة