الإسلامويون والأنظمة: الخلاف حول مَنْ يصل إلى السلطة لا حول كيفية الوصول إليها

من خلال متابعة الأحداث الأخيرة في سوريا، لا سيما بعد أن أعلن زعيم جبهة النصرة سابقًا، الجولاني، تنصيب نفسه رئيسًا على سوريا، هكذا بلا انتخابات، ولا حتى "انتخابات صورية"، (ولا يعني ذلك أننا نقول فليقم بانتخابات صورية على الأقل! لا، فكلاهما كذب بلا قيمة ولا يعطي شرعية، أي لا فرق بين انعدام الانتخابات وبين الانتخابات الصورية؛ كلاهما لا يصنع شرعية، وإنما نقصد أنه لا يعترف بها أصلاً) ولا دستور، ولا برلمان، ولا قانون، أي بلا مراقبة ولا محاسبة، ولا تشريعات تمثل الإرادة الشعبية، وحكم مفتوح بلا حد، إلى أن يموت أو يُقتل، كما بقية الكيانات والأنظمة الطاغوتية الوراثية في منطقتنا العربية، وإنما هو التغلب والبلطجة والغصب.


من خلال متابعة ذلك، رأينا تعاطي معظم المعارضات الإسلاموية في الخارج مع هذا الإعلان، الذي قابلوه بالترحيب واعتبروه بمثابة نصر حقيقي للثورة السورية.


والعجيب أن هؤلاء الإسلامويين، تجدهم يعارضون بقية الطواغيت في المنطقة بحجة أنهم جاءوا بلا اختيار من الشعوب، أو إن حدثت انتخابات فهي انتخابات مزوّرة لا قيمة لها. ولكن حينما يكون الأمر متعلقًا بإسلاموي مثلهم يصل إلى السلطة دون انتخابات ويحكم إلى أجل غير معلوم بلا دستور ولا برلمان ولا قانون، أي بلا رقابة ولا محاسبة، ولا فترة محددة لحكمه ورئاسته، فتجد المبررات جاهزة لديهم باعتبار أن "من ينتصر يقرر"، و"من يتغلب يحكم ويحدد"، وهي قريبة من المثل المصري الشعبي الذي يقول "اللي يتجوز أمي أقول له يا عمي". أي أن من يتغلب بقوة السلاح على أي سلطة حاكمة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، له مطلق الشرعية بعد ذلك، ومطلق الصلاحية للحكم كيفما يشاء وإلى آخر العمر!


طبعًا، لا نريد أن نشير هنا إلى مراجعهم التراثية التي يستندون إليها وينسبونها إلى الإسلام وهم كاذبون مفترون، والإسلام منها براء، التي تجعل مصدر الشرعية الوحيد لكل من يحكم هو قدرته على التغلب على الحاكم القائم قبله. فإن تغلب عليه، حَقَّ له الحكم ووجبت له الطاعة، ولتذهب إرادة الشعوب إلى الجحيم، وعندها، لا مجال بطبيعة الحال حتى لمجرد الحديث عن مبدأ "وأمرهم شورى بينهم".


إذن، يتبين لنا أن معظم هؤلاء الإسلامويين لا يختلفون مع من يعارضونهم من حيث المبدأ على جواز اغتصاب السلطة وتهميش إرادة الشعوب والحكم بغير ما جاء في كتاب الله من مبادئ عليا مثل: (الحرية، الشورى "حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها"، العدالة، المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وأمام القانون، والكرامة للجميع دون تمييز أو تهميش أو إقصاء)، وتجاهل قضية أن الشرعية مصدرها الأساسي والأول الأمة، وليس التغلب والبطش والجبرية أو الحكم باسم الإرادة الإلهية!


ستجد أنهم في واقع الحال لا يختلفون مع الأنظمة القائمة على ذلك أصلاً، بل هو مقرر في كتب مذاهبهم وأئمتهم (الكهنوت). وإنما الخلاف كل الخلاف هو على "مَنْ" وليس على "كيف"، أي خلافهم على من يصل إلى السلطة وليس كيف وصل إليها. فإن كان المغتصب للسلطة ممن هو منهم وعلى منهجهم أو قريب منهم، فلا يوجد في ذلك بأس ولا ضير، بل هو عين الحق في نظرهم. أما إذا كان الذي اغتصب السلطة من جهة مناوئة لهم، فتثور ثائرتهم ولا تخمد حتى يستقر الأمر لهم.


وهذه العقلية هي من أخطر وأقذر العقليات التي تسيطر على معظم الشعوب الإسلامية مع شديد الألم والأسف، حيث الولاء والطاعة لكل من يغتصب السلطة. فـ"من تغلّب تملّك"، أي حَقَّ له أن يتملك العباد والبلاد دون أن يعير أي اهتمام لإرادة الناس. وهل لهم إرادة أصلاً؟ هكذا يتساءل المتغلب.


ما العمل إذن؟ الحل بسيط: أن نعود إلى كتاب رب العالمين المحفوظ إلى يوم الدين. ماذا يقول رب العزة؟ "وأمرهم شورى بينهم"، بين من؟ بين كل الأمة بنسائها ورجالها، في كل الأمور، صغيرها وكبيرها. ويأمر جل وعلا النبي الخاتم عليه السلام بأن "وشاورهم في الأمر"، مطلق الأمر، هذا وهو المصطفى الموحى إليه! حيث كانت سلطة النبي (ص) في حكمه مستمدة أصلاً من الأمة ولم تكن من الله عز وجل. أي لم يكن حكمًا دينيًا كهنوتيًا.


وبذلك يتحقق الجانب الأول من الشرعية للكيان السياسي ونظام الحكم حسب فلسفة الإسلام ورؤيته التي اتضحت لنا من خلال نصوص الوحي الحكيم، ألا وهو اختيار الشعب ورضاه، ثم التزام ذلك الكيان السياسي بمبادئ الإسلام الكبرى وعلى رأسها: (الحرية "لا إكراه في الدين"، وإذا كان لا إكراه في الدين، فحتماً وعقلاً وبداهة لا إكراه في كل ما دونه، الشورى "حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها"، العدالة، المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وأمام القانون، عدم التعدي على المحرمات التي جاءت حصراً في كتاب الله، والكرامة للجميع دون تمييز أو تهميش أو إقصاء). وذلك يتضمن بطبيعة الحال حقوق الإنسان. وهذا هو الجانب الثاني للشرعية لأي كيان سياسي مرجعيته الفلسفة الإسلامية.

فهي إذاً:

• رضا واختيار الشعب (الشورى، والديمقراطية هي آليتها المعاصرة).

• الالتزام بمبادئ الإسلام العليا وحقوق الإنسان، ويشمل ذلك ضمناً أن تكون التشريعات والقوانين الصادرة من مجالس التشريع المنتخبة من قبل الشعوب (أولي الأمر منكم) ضمن حدود الله تبارك وتعالى ورسالته، وأن لا تتعدى على محرماته التي جاءت في كتابه حصراً، وهي محدودة جدًا وإنسانية.


فهل ينطبق شيء من ذلك على الكيانات والأنظمة الموجودة في عالمنا العربي؟ إطلاقًا، بما في ذلك النظام المتغلب الجديد في سوريا، الذي طار رئيسه (الجولاني) فور تنصيبه رئيسًا إلى المهلكة السعودية، حيث أكبر كيانات الغصب والتغلب والاستبداد والتوريث والإقطاع والجبرية ومحاربة الله والرسول والعباد في العالم كله.


ويتبين لنا، وهذه من أهم النتائج، أن معظم من يعارضون الأنظمة الحالية (من الإسلامويين بالذات) يعارضونها ليس لأنها بلا شرعية أو ظالمة وغاصبة ولا تحقق جانبي الشرعية حسب الفلسفة الإسلامية القرآنية، بل لأنهم ليسوا محل هذه الأنظمة. ولو كانوا محلها لما اعترض واحد منهم عليها أو على شيء فيها.

تعليقات

المشاركات الشائعة