من المستحيل أن يكون المتغلب أو الوارث للحكم عادلاً، لأن عدالته تقتضي زوال حكمه واندثاره.

يعتقد البعض أنه بالإمكان أن يوجد حاكم متغلب أو وارث للحكم (أي غير شرعي) ويكون عادلاً، وهي تشبه مقولة "المستبد العادل". فهل في ذلك شيء من الصحة؟ سؤال يطرح!

كلمة "مُتغلِّب" هي فاعل من الفعل "تَغَلَّبَ".. تغلَّبَ، يَتغلَّب، تغلُّبًا، فهو "مُتغلِّب"، والمفعول "مُتغلَّب عليه". تَغَلَّبَ عَلَى عَدُوِّهِ: قَهَرَهُ، اِسْتَوْلَى عَلَيْهِ.. تَغَلَّبَ عَلَى الْمَصاعِبِ: ذَلَّلَهَا. تَغَلَّبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ: غَلَبَهُ، اِسْتَسْلَمَ لَهُ.. فالتغلب إذًا هو القهر والاستيلاء والغلبة. والمتغلب هو من يستولي على ما ليس له عنوة وغصبًا.

وكلمة "مستبد" هي الفاعل من الفعل "استبدَّ".. استبدَّ بـ، يستَبِدّ، استَبْدِدْ / استبَِدَّ، استبدادًا، فهو "مُستبِدّ"، والمفعول "مستبَدّ به". استبدَّ الشخصُ بالأمر: تعسَّف، انفرد به من غير مشاركٍ له فيه. والحُكْم الاستبدادي: هو الذي يقوم على التسلُّط والتعسّف المطلق والتَّفرّد بالحكم.. فالمستبد إذاً هو المتفرد بالأمر والحكم، والمتعسف، والمتسلط.

إنَّ سؤالاً كهذا لا ينبغي أن يطرحه امرؤ مسلم مؤمن قرأ كتاب الله وفهم شرعه ومبادئه الكبرى التي لا نمل من تكرارها والتذكير بها كل حين:

• الحرية.

• الشورى «حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها».

• العدل، وتمظهره السياسي لا يكون سوى بالشورى، الشورى الإسلامية التي هي ملزمة وفريضة، والشاملة لكل الشعب وفئاته وأطيافه، برجاله ونسائه.

• المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وأمام القانون.

• التكريم لكل إنسان دون أي تمييز.

• التواصي بالحق والصبر على ذلك.

• والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتضمن حقوق الإنسان.

نقول إن من عرف ذلك ووعاه وتشبع به عقله وقلبه لن يتفوه بهكذا سؤال لا ينم إلا عن عقلية أقل ما يمكن أن توصف به أنها "تغتصب المنطق السليم" أو هي ساذجة. لماذا؟

ماذا لو قلت لك: هل يمكن أن يوجد شخص واقف وجالس في نفس الوقت؟ أو يركض ومتوقف في نفس الوقت؟ أو أن يكون الليل نهارًا والنهار ليل؟ ستقول: محال! فتلك كلها أضداد لا يقع أحدها سوى بانتفاء الآخر. فلا يمكن أن أجلس إلا إذا لم أكن واقفًا، ولا يمكن أن أركض إلا عندما لا أكون متوقفًا، ولا يمكن لليل أن يكون ليلًا إلا إذا زال ضوء النهار وجاء الليل، وهذا بالضبط ما ينطبق على مقولة "المستبد العادل" أو إمكانية أن يوجد متغلب أو وارث للحكم ويكون عادلاً في نفس الوقت.

فالمتغلب، كما تبين آنفًا، هو الذي يستولي على الحكم دون وجه حق، أي بالقوة، فيركب ظهور الناس غصبًا وكرهاً ليستبد بأمرهم. فكل متغلب مستبد بالضرورة. ولا يستبد بالأمر سوى من لم يأتِ بالسبيل الشرعي الذي هو اختيار الناس ورضاهم به، فكل مستبد متغلب بالضرورة، فهو باستبداده إنما يقهر إرادة شعبه وحقوقه. وكلاهما، المتغلب والمستبد، لا شرعية له، وكذلك الوارث للحكم.

والعنوان الشامل الذي يجمع الثلاثة هو الظلم (انعدام العدل)، وهو ضد العدل. فلا يمكن أن يكون الإنسان عادلاً وظالمًا في نفس الوقت، ولا يمكن للظالم أن يكون عادلاً وهو ظالم، وإلا لما سمي ظالمًا من الأصل. وكيف يكون عادلاً ووجوده أصلاً قائم على الظلم، أي على انتفاء العدل ومحاربته؟ أي وجوده بحد ذاته هكذا هو ظلم. والظلم ليس بعدل.

إذاً، لا يصح أن نقول "مستبد عادل" لأن العادل لا يستبد، والمستبد لأنه مستبد لا يكون عادلاً، وإلا انتفت عنه صفة المستبد.

ولا احتمال لأن يكون المتغلب أو الوارث للحكم عادلاً وإلا زال حكمه ولم يعد حاكمًا. بمعنى أنه حتى وإن وجد على سبيل الافتراض حاكم ورث الحكم من والده، فهو حكم متغلب ووراثي (أي منعدم الشرعية، أي ظالم، أي غير إسلامي). ثم أراد هذا الابن أن يصحح الوضع ويكون عادلاً، فما هو أول شيء عليه القيام به؟ ببساطة أن يترك مكانه (الذي لا حق له فيه ولا لوالده) ليعود الأمر إلى أصحابه، أي الشعب، لتتحقق الشورى "وذلك هو العدل السياسي"، ويعيد ما نهب وما يسيطر عليه من أموال وممتلكات هو ومن سبقه في الحكم إلى الشعب، ويرد كل المظالم. وذلك هو "العدل الاقتصادي والاجتماعي".

أي أنه عليه كي يكون عادلاً أن لا يكون حاكمًا، هكذا ببساطة. لأن وراثته للحكم ظلم صراح، أي ليس عدلاً. والاستبداد بالأمر واحتكار السلطة والثروات وتوارثها ظلم صراح أيضًا. فمن يستبد بالأمر ليس عادلاً، ومن يرث الحكم والثروات والناس لا يمكن أن يكون عادلاً إلا إذا انقلب على نفسه وحكمه، وصار ليس حاكمًا، أي فردًا عادياً بعد أن يخضع للحساب الشعبي العسير، وبعد أن يعود الأمر لأصحابه، أي الشعب، وتعود لهم ثرواتهم وترد لهم كامل حقوقهم.

إذاً، فالمتغلب والوارث للحكم والمستبد لا يمكن أن يكون واحد منهم عادلاً وإلا لم يعد «متغلبًا» أو «وارثًا للحكم» أو «مستبدًا». فالعدل ضد الظلم، والاستبداد بالأمر واحتكار السلطات والثروات وتوارثها، وقمع إرادة الشعوب هو ظلم صراح بواح لا شك ولا مراء فيه، موجب ليس للمعارضة وحسب، بل ولقتال الظالمين أنفسهم وجندهم ومن يعاونهم حتى يعود الحكم للشعب وتعود ثرواته وحقوقه وقراره إليه.

لذلك على من يقول بمقولات الظالمين تلك أن يكف عن غيه وضلاله وجوره، وأن يعود إلى سبيل الحق والرشاد والعدل.

تعليقات

المشاركات الشائعة