المنطق السليم مقابل الانتظار المستحيل: ما الذي يجب أن نعيه كمعارضة؟
الآن السؤال: في هكذا حالة، ما هو الإجراء المنطقي الذي تتخذه أي حكومة أو مجتمع في العالم؟ وما الذي تنص عليه كل قوانين الدنيا إزاء هكذا عصابة؟ وأيهما أكثر منطقية وواقعية بين هذين الموقفين في التعامل مع العصابة:
1. مطاردة العصابة والقبض عليها ومحاكمة كل عضو فيها، وتنفيذ الأحكام القضائية المناسبة لكل حالة، لإقامة العدل وردع الظلم والعدوان؟
2. الموقف الثاني، الذي قد يطالب به أحد الناس فيقول: "لا، لا تقبضوا عليها ولا تقضوا على العصابة، فهذا عمل اجتثاثي متطرف بل وغير واقعي، ولا يمكن تنفيذه، وإنما لننتظر لعل هذه العصابة تكف عن ارتكاب الجرائم، أو لعله يخرج منها قائد حكيم يوقف أعمال هذه العصابة، ويحول المجرمين السارقين والغاصبين والقتلة إلى أناس صالحين نافعين يسيرون على الصراط المستقيم، لننتظر لعلهم يتوبون وتتبدل الأمور".
أي الموقفين أكثر منطقية وواقعية؟ وأيهما يُعمل به في كل العالم وتدعو له كل شرائع وقوانين الدنيا؟
الواقع أن الموقف الأول ليس هو الأكثر منطقية، لأن قولنا "الأكثر منطقية" يعني أن في الموقف الثاني شيئًا من المنطق، وهذا غير صواب. إنما الموقف الأول هو المنطقي والواقعي، والذي تتخذه كل حكومات ومجتمعات العالم، وتحث عليه كل القوانين والشرائع، وهو الذي ينبغي اتخاذه. أما الموقف الثاني فلا يتخذه عاقل، ولا يقول به إنسان سوي أو فيه مزعة من عقل أو ذرة إحساس إنساني، بل هو الذي يعيش ليس في الخيال وحسب، بل في الباطل والأوهام، وينتظر المستحيلات. ومثله خطر على المجتمعات، وخير خادم للمجرمين والعصابات.
لماذا كل هذا الكلام؟
مثل آل سعود كمثل هذه العصابة، بل هم أخطر من العصابة المعروفة أنها «عصابة»، لأن الأخيرة معلوم أنها تعمل خارج نطاق الحق والقانون، والناس تعرف أن ما تقترفه من أعمال هي جرائم وبغي بغير حق. بينما آل سعود هم القانون، وقولهم لا يُرد، وحكمهم هو الحق، وهم ولاة الأمر، وخدّام الحرمين!! وكل جرائمهم تُغطى بغطاء قانوني وديني عبر كهنتهم و"مثقفيهم" وقانونييهم، فينخدع بها المخدوعون من الشعب المُستحمَر والمقهور. ومثل المعارضة المُسعوَدة كمثل صاحب الموقف الثاني، ومثلنا نحن كمثل أصحاب الموقف الأول. وشتان بين الموقفين ومنطق كل واحد منهما.
نحن وحسب المنطق السليم؛ نرى أنه لا يمكن أن نتفاوض مع عصابة ما، أو نخضع لشروطها وابتزازها، أو نظن بها خيرًا، أو ننتظر ونوهم أنفسنا أنها قد تتوب وتعود عن طريق الطغيان والإفساد والإجرام، أو يخرج منها من هو قادر على إصلاح حال العصابة، ويحول أعضائها من قتلة مجرمين إلى حمامات سلام أو ملائكة. كل ذلك ضرب من الجنون والعبث واللامنطقية. إنما التعامل السليم يكون بإخضاع هذه العصابة للمحاكمة العادلة والحاسمة، والقضاء عليها، وحماية الناس من طغيانها وعدوانها وإجرامها وعبثها وإفسادها في الأرض، واجتثاثها من جذورها، وإلا فلِمَ وُجد ما يُعرف بحد الحرابة؟
أما المعارضة المُسعوَدة فتحاول اغتصاب المنطق السليم وخدمة الغاصبين المجرمين الحاكمين عبر التطبيع معهم، وإعطائهم المزيد من الوقت ليعيثوا في الأرض مزيدًا من الإجرام والإفساد والطغيان والظلم للعباد، ومحاربة الله ورسوله تحت شعار "الملكية الدستورية"، أي إبقاء آل سعود - وإن ارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم وفظائع، وفوق أنهم بلا شرعية أصلاً - فوق رؤوسنا، لينعموا لوقت أطول بالمخصصات من ثروات الشعب، ويظلوا طبقة مميزة عن بقية الشعب فهم الأسرة المالكة، أي مالكة للبلاد والعباد!! وهم أصحاب السمو والجلالة، ونحن كما يسموننا "قرود على حيود"!! وكأننا لا نستطيع الحياة بدونهم!! ثم يتهموننا (أي المعارضة المُسعوَدة) بالخيالية واللاواقعية لأننا نقول: لا يمكن أن نسمح لمجرم قاتل متغلب أن يكون منفلِتًا في الشوارع بين الناس، ناهيك عن أن يحكمهم ويتحكم في مصائرهم، ويضفي على جرائمه القدسية، ويجعلها قانونية وحقًا. إن هكذا منطق لهو المضطرب والمشوّه، بل هو العبث والجنون والفساد لو كانوا يعلمون، ولا يؤيده عاقل في الوجود.
وأي مجتمع في الأرض يؤيد إطلاق سراح المجرمين، أو إتاحة المجال لهم ليفعلوا ما يريدون تحت شعار "لعلهم يتوبون ويصلحون"؟
متى نفهم أن التوبة شأن خاص بين العبد وربه، وأنها لا تُسقط حقوق الناس؟ فالقاتل له أن يتوب ويطلب من الله المغفرة، ذلك شأنه، لكن ذلك لن يلغي عقوبته في الدنيا. فالقاتل ظلمًا وعمداً يُقتل أو يُحكم بالسجن حتى الموت، وهذا ما يحدث في كل أصقاع الأرض، وذلك هو ما دعا له الشرع القويم. أما أن نترك المستبدين والغاصبين وقطّاع الطريق فوق رؤوسنا، هكذا، وننتظر "توبتهم" أو لعلهم ينصلحون، فذلك دجل وعبث وتلاعب بالعقول وخدمة لأعداء الله والرسول.
إن كيان آل سعود هو كيان غصب وتغلب وتوريث وإجرام وعدوان، فلا شرعية له. وآل سعود أسرة تلطخت أيديها - عبر تاريخها - بدماء شعبنا وكثير من المسلمين والأبرياء حول العالم، ونهبت ثرواته، واغتصبت الأعراض، واحتلت أطهر البقاع، وسعوَدت الناس وكل ما على الأرض، واستبدت بالأمر، واستولت على ممتلكاتنا وأراضينا وثرواتنا بغير وجه حق. واحتكرت السلطات والثروات لها دونًا عن بقية الشعب، فلها كل شيء، والتراب للشعب. لا، بل حتى التراب تبيعه على الشعب بعد أن تسرقه منه!!! وفعلت الأفاعيل وتفننت في الإجرام والتقتيل وتكفير المسلمين، ليس منذ عقود بل منذ قرون، أي منذ ما يسمونه دولتهم "السعودية الأولى".
كل ذلك حدث ولا يزال يحدث، ومستمر. ولا أبلغ على ذلك من الإعدامات شبه اليومية لأبناء شعبنا دون محاكمات، أو معرفة لأسباب قتلهم سوى ما يكرر في بياناتهم الكاذبة والممجوجة. وسجونهم التي تمتلئ بعشرات الآلاف من المعتقلين من النساء والرجال لمجرد رأي هنا أو هناك، أو حتى بسبب إعجاب بمنشور ما لا يعجبهم على موقع من مواقع التواصل. بل وتمتلئ أيضًا بعشرات الآلاف من المساجين نساء ورجالًا وأطفالًا من جنسيات مختلفة في أوضاع بشعة ومروعة. -احتكار السلطة والثروة مستمر، القتل بغير حق مستمر، النهب (مخصصات الأمراء) مستمر، والاستبداد بالقرار مستمر، استعباد الشعب ونسبته إليهم مستمر (الشعب السعودي!). السيطرة على الحرمين وجعلهما مصيدة للمعارضين من أبناء شعبنا أو من مختلف الجنسيات مستمر. سعودة مكة، وأبواب الحرم وأروقته، والشوارع، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، والمطارات، وغير ذلك مستمر (كل شيء ينسب لآل سعود!). بل وصلت بهم الجرأة إلى القول بأن "الرسول" سعودي، والقرآن أنزل بلغة سعودية!
كل ذلك لا يزال مستمرًا ولا يمكن أن يتوقف، وهم يحكمون وكيانهم الغاصب قائم ويتحكم في مصائر العباد، ويسيطر على جزيرة العرب بما فيها مكة والمدينة.
فهل من الحكمة والمنطق والعقل أن نطالب هؤلاء الغاصبين المستبدين المعتدين المحتلين بأن لا يكونوا غاصبين أو مستبدين أو معتدين أو محتلين؟ هل يقبل بذلك عاقل؟ لا، محال… وحتى آل سعود أنفسهم وعلى لسان سلمان بن عبد العزيز يقول: "أخذناها بالسيف"، أي أخذوا جزيرة العرب بالسيف، ولن يتركوها بغيره. وهذا ما ينبغي علينا أن نعيه كمعارضة ودعاة إصلاح وتغيير في جزيرة العرب، وإلا فلا نرجو تحررًا ولا تغييرًا ولا تمكينًا للشعب ولا نهضة.



تعليقات
إرسال تعليق