تحطيم هالة القداسة حول علم الكيان السعودي: نحو التحرر من القيد الكهنوتي



كتبتُ مقالًا طويلًا شرحتُ فيه الأسبابَ الرئيسيةَ وراء معارضتنا للكيان السعودي، وتحت كلِّ سببٍ فصَّلتُ ما أمكن، وأرفقتُ مع المقالِ صورةً لعلمِ الكيانِ السعودي وهو يحترق، ونشرتُ المقالَ وأرسلته للكثيرين من الناشطين والمعارضين من مختلف التوجهات. إلا أن أحدَ الإخوةِ الفضلاء الذين أرسلتُ لهم المقال لمطالعته والتعليق عليه أو حتى نقده، بعد أن اطلع (أو قد يكون لم يطلع أصلاً) على ما كُتب فيه، تركَ كلَّ شيءٍ وجاء يوصيني بأنه يجب علينا حفظُ "حرمةِ كلمةِ التوحيد"! استغربتُ في البداية، فقلتُ: ماذا تقصد بـ"حرمةِ كلمةِ التوحيد"؟ فلم يُجبني! وعرفتُ لاحقًا ماذا يقصد، وقلتُ في نفسي: سبحان الله! تركَ كلَّ ما جاء في المقالِ وتعلقَ بالصورةِ التي أرفقتها معه "علمٌ يحترق"! لا أدري أينَ انتهاكُ حرمةِ كلمةِ التوحيدِ هنا؟ ورغمَ أنني لم أرفق صورةً للعلمِ وهو يُداس، ولا وهو يُبصق عليه مثلًا، بل كان يحترق، وحتى أوراقُ المصحفِ التي مخطوطٌ فيها آياتُ الله تُحرق وتُدفن كذلك، وحتى عتاةُ السلفيين يقولون بذلك! فأينَ الانتهاكُ لحرمةِ كلمةِ التوحيدِ في ذلك طالما أوصاني - الأخُ الفاضلُ - بحفظِ حرمتها؟ وكأنَّ التوحيدَ مجردُ كلامٍ يُخطُّ على مخطوطٍ أو يُرددُ في الهواء!!! ورغمَ أنَّ آل سعود يضعون سيفًا مع الشهادتينِ على علمهم، إلا أنَّ الأخَ الفاضلَ لم يسؤه ذلك ولم يعتبره تشويهاً لكلمةِ التوحيدِ وإساءةً لها، كما ساءه حرقُ العلم!

على كلِّ حال، العلَمُ السعودي ليس مقدسًا بالنسبة لنا، حتى وإن خطّوا عليه "لا إلهَ إلا الله محمدٌ رسولُ الله". هذا استغلالٌ لشعاراتٍ دينيةٍ لإحاطةِ علمِ كيانٍ غاصبٍ فاقدٍ لكلِّ شرعيةٍ - منتهكٍ للحقوقِ والحرياتِ والحرماتِ والأعراضِ - بهالةٍ من القداسةِ والحرمةِ المزعومةِ، ونحن لا نرى ذلك مطلقًا. لا قدسيةَ لعلمِ أيِّ كيانٍ سياسيٍّ ولو خطّوا كلَّ آياتِ القرآنِ عليه، هذا استغلالٌ لكلامِ اللهِ وتترسٌ به ضدَّ حريةِ الناسِ في التعبيرِ والرفض. ونحن نعبدُ اللهَ وحده، ولا نعبدُ المخطوطاتِ ولا الشعارات. لا يمكنُ أن نقبلَ ذلك ولا أن يشعرنا أحدٌ بالذنبِ إذا ما أحرقنا هذا العلمَ أو قطّعناه أو سوى ذلك.

وينبغي على النشطاءِ والمعارضين في الخارجِ والداخلِ أن يتحرروا من هذا القيدِ الكهنوتيِّ والدجلِ والخداعِ الذي أوقعهم فيه آل سعود عندما أحاطوا كيانهم وعلمه بهالةٍ مزيفةٍ من القداسةِ لمجرد أن وضعوا شعارَ التوحيدِ عليه. والعجيبُ أنَّ كثيرين من الذين يرفضون المساسَ بهذا العلمِ بحجةِ كلمةِ التوحيدِ لم (ولا) نجدهم يعترضون على مشاهدَ من يدوسُ على العلمِ الإيرانيِّ رغمَ أنه عليه لفظُ الجلالةِ أيضًا! ونحن أصلاً نرفضُ رفضًا مطلقًا أن توضعَ مثلُ هذه الشعاراتِ الدينيةِ على أعلامِ الدولِ والكياناتِ وراياتِ الأحزابِ السياسيةِ أو أيِّ تنظيمٍ أو تجمعٍ سياسيٍّ. هذا تلاعبٌ بالدينِ وتوظيفٌ له لغاياتٍ سياسيةٍ ومصلحيةٍ.

جعلني أكتبُ هذا الكلامَ ما وجدته من الأخ الذي ركَّز على صورةِ العلمِ المحترقِ وتركَ محتوى المقالِ الذي أرسلته له، وذكَّرني تصرفه بالمثلِ الصينيِّ الذي يقول: «أشيرُ إلى القمرِ والأحمقُ ينظرُ إلى إصبعي». وهي إشكاليةٌ لدى كثيرٍ من النشطاءِ والمعارضين، فنجدهم يتخوفون دائمًا من الاقترابِ من العلمِ السعودي بأيِّ شكلٍ، لا حرقًا ولا تقطيعًا ولا غيرَ ذلك. وأنا أقولُ لهم: علينا أن ندمرَ هالةَ القداسةِ هذه التي صنعها آل سعود حولَ كيانهم وعلمهم بأن لا نخشى من حرقِ هذا العلمِ وتقطيعهِ وإتلافهِ. ليس معقولًا أن لا نتعرضَ لأعلامِ الغاصبينَ والمحتلينَ والمستبدينَ وكياناتِهم لمجردِ أنهم يضعون لفظَ الجلالةِ عليها. لا وألفُ لا، لا نقبلُ بذلك، وعلى الأحرارِ جميعًا أن لا يتخوفوا من تحطيمِ قدسيةِ هذه الأعلامِ والكياناتِ المصطنعةِ التي هي في حقيقةِ الأمرِ من صنعِ المستعمرِ الغربيِّ، هيَ وأعلامُها وأسماؤُها وحدودُها وحكّامُها وكلُّ ما فيها.

تعليقات

المشاركات الشائعة