بين التوازنات الدولية وإرادة الشعب: مستقبل جزيرة العرب

يَعتقدُ البعضُ أننا حينما كتبنا عن تصورنا لما بعد تفكيكِ الكيانِ السعوديِّ وانهيارِه، فإننا قد أغفلنا التوازناتِ الدوليةَ والمصالحَ الكثيرةَ للدولِ الكبرى في جزيرةِ العربِ. وماذا سيكونُ موقفُ العالمِ من هذا التغييرِ المنتظَرِ والمأمولِ؟ هل سيقبَلُ أم لن يقبَلَ بذلك؟ وهل سيقاومُ التغييرَ ويلتفُّ على إرادةِ الجماهيرِ أم لا؟ إلى غيرِ ذلك من التساؤلاتِ التي تطرأُ لدى هذه الفئةِ من الناسِ الذين اعتبروا أننا أغفلنا هذا الأمرَ. لا شكَّ أنَّ كلَّ دولِ العالمِ، وخاصةً الدولَ الغربيةَ وأمريكا على رأسِها (وإسرائيلُ ضمناً، والحقيقةُ أنَّ الحمايةَ والدعمَ بينَ كيانِ الاحتلالِ الصهيونيِّ وبينَ الكيانِ السعوديِّ الغاصبِ متبادلةٌ وراسخةٌ منذ تأسيسِ الكيانينِ)، من أقوى الداعمينِ لبقاءِ واستمرارِ هذا الكيانِ الغاصبِ، الذي بدورهِ يرعى مصالحهم ويقومُ بالدورِ المطلوبِ منهُ بالتمامِ والكمالِ. ونحنُ عندما نضعُ تصوراتنا الجريئةَ والمتفائلةَ، فلا نغفلُ هذه الحقيقةَ، ونعي أنَّ دولَ أوروبيةَ كثيرة في ظهرِ هذا الكيانِ، إمدادًا بالسلاحِ وتزويدًا بالخبراءِ في مختلفِ المجالاتِ الأمنيةِ والعسكريةِ والاقتصاديةِ والإداريةِ… إلى غيرِ ذلك، بالإضافةِ إلى العتادِ العسكريِّ وكلِّ ما من شأنهِ حمايةُ واستمرارُ هذا الكيانِ ما أمكنَ، حتى دعمهُ إعلاميًا. كلُّ ذلك نعيهِ، ونعيهِ جيدًا. وعندما كتبنا ونكتبُ دائمًا عن التغييرِ وعن الـ«ما بعد»، فإننا لم نغفلْ هذا الواقعَ على الإطلاقِ.

ولكن هناكَ أمرٌ أغفلهُ هذا النفرُ من الناسِ، وهو أنَّ هذا العالمَ الغربيَّ بالذاتِ في نهايةِ المطافِ لا تعنيهِ سوى مصالحه. وعندما يدركُ أنَّ الكفةَ بدأت تميلُ لصالحِ جماهيرِ الشعبِ، فإنه لا محالةَ - وغير مختارٍ - سيركعُ لهذا الواقعِ الجديدِ، وإن قاومهُ بدايةً، وسوف يكونُ أولَ المبادرينَ في كسبِ ودِّ الجماهيرِ وإعلانِ دعمه لهم، لنيلهم حريتهم وحقوقهم واستقلالهم، وغيرَ ذلك من نفاقِ الغربِ المعلومِ.

الحقيقةُ التي هي أكبرُ من هذا الواقعِ الذي نعيشهُ اليومَ هي أنَّ الشعبَ عندما يأخذُ زمامَ المبادرةِ ويؤولُ إليهِ القرارَ، فإنَّ كلَّ من لهُ مصلحةٌ في جزيرةِ العربِ سيأتي مرغماً معلنًا الدعمَ الكاملَ للواقعِ الجديدِ المفروضِ من قبلِ الشعبِ. صحيحٌ في البدايةِ، أي قبل تفككِ الكيانِ كما هو الواقعُ اليومَ، ستكونُ هناك مقاومةٌ غربيةٌ (وحتى إقليميةٌ) ومحاولاتٌ كثيرةٌ لإبقاءِ الوضعِ كما هو وضدَّ أيِّ تغييرٍ في جزيرةِ العربِ. وهذه الدولُ لم تتوقفْ يومًا أصلاً عن تسليحِ آل سعود ودعمهم بكافةِ الأشكالِ وعلى مختلفِ الأصعدةِ منذ بدايةِ إنشاءِ بريطانيا لهذا الكيانِ وحتى يومِ الناسِ هذا. هذا كله معلومٌ ومتوقعٌ ومأخوذٌ في الاعتبارِ، إلا أننا ونحن نكتبُ ونستنهضُ الهممَ ونشاركُ في عمليةِ التوعيةِ والتنويرِ السياسيةِ والإسلاميةِ والاجتماعيةِ والفكريةِ والثقافيةِ وغيرها، فإننا لا ننظرُ مقيدينَ يائسينَ إلى الواقعِ الحاليِّ الذي هو بالتأكيدِ في صالحِ الكيانِ القائمِ، لأنه ببساطةٍ الشعبُ لا يزالُ غاطًّا في نومه، أي لم يقمْ بعدُ. وإنما معظمُ كتاباتنا وتطلعاتنا وآمالنا هي لمرحلةِ ما بعدَ انتفاضةِ الجماهيرِ ضدَّ الوضعِ القائمِ. هذا بالتأكيدِ بالإضافةِ إلى ما نكتبهُ للتمهيدِ لذلك التغييرِ المرجوِّ، بطبيعةِ الحالِ، من تعريفٍ بالمبادئِ السياسيةِ الإسلاميةِ وتصحيحِ المفاهيمِ المغلوطةِ والمشوهةِ، واستنهاضِ الهممِ، وتطمينِ الشعبِ أن هناك تصوُّرًا لما بعدَ هذه الثورةِ المرجوةِ، وأنه بالإمكانِ تغييرُ الواقعِ. بل إننا لا نريدُ من الشعبِ أن يتحركَ أصلاً إلا بعدَ أن يعيَ ماذا يريدُ، وكيف يحققُ ما يريدُ، وإلى أين ستكونُ وجهتهُ. أي أننا نعتبرُ الثورةَ الحقيقيةَ هي الثورةُ التي تحدثُ في الوعيِ والعقولِ أولاً، وهي التي تسبقُ وتهيئُ السبيلَ لثورةِ الأفعالِ وتغييرِ الواقعِ القائمِ وموازينِ القوى في الداخلِ والخارجِ. فنحن نؤمنُ أنَّ تغييرَ ما في الأعيانِ مشروطٌ بتغييرِ ما في الأذهانِ. وثَوْرَةُ الأفكارِ تَسْبِقُ ثَوْرَةَ الأفعالِ. 

وقد كتبنا في هذا الجانبِ وغيره بفضلِ الله. إذاً، نحن عندما نقترحُ التصوراتِ السياسيةَ المستقبليةَ، فإننا نتصورُ أننا قد قطعنا بالفعلِ كلَّ هذه الأشواطِ - التي أولها وعلى رأسها الثورةُ الثقافيةُ والفكريةُ، وتحطيمُ قيودِ الكهنوتِ والمحرماتِ الفكريةِ، وتشجيعُ الشبابِ والشاباتِ على التفكيرِ النقديِّ واستقلاليةِ الفكرِ وجرأةِ التعبيرِ وقولِ كلمةِ الحقِّ - وصارتْ كفةُ القوةِ تميلُ نحوَ الجماهيرِ الثائرةِ والرافضةِ لاستمرارِ واقعِ الغصبِ والجورِ والطغيانِ السعوديِّ. وعندئذٍ، فكلُّ العالمِ سيدركُ أنَّ الحصانَ الرابحَ هو من ينبغي الرهانُ عليه، وهو من موازينِ القوى تميلُ باتجاهه، أي الشعبُ. وما يختارهُ الشعبُ سيقبلهُ الشرقُ والغربُ، مرغمينَ. فالعالمُ لا يحترمُ من معهُ الشرعيةَ، بل من بيدهِ القوةَ والسيطرةَ. فكيف إذا ما اجتمعتْ الشرعيةُ والقوةُ معًا؟ بل إنَّ الشرعيةَ في تصورنا هي قوةٌ في ذاتِها، بل هي القوةُ الحقيقيةُ.

ونعني بالشرعيةِ للكيانِ السياسيِّ، حسبَ فلسفةِ الإسلامِ السياسيةِ، جانبيها اللذين سبقَ وأشرنا إليهما في مقالٍ سابقٍ:

• إرادةٌ ورضا واختيارُ الشعبِ (أي الشورى، والديمقراطيةُ هي آليتها المعاصرةُ).

• الالتزامُ بمبادئِ الإسلامِ الكبرى، وعلى رأسها: (الحريةُ "لا إكراهَ في الدينِ"، وإذا كانَ لا إكراهَ في الدينِ، فحتماً وعقلاً وبداهةً لا إكراهَ في كلِّ ما دونهُ، الشورى "حقُّ الشعوبِ في حكمِ نفسها بنفسها"، العدالةُ، المساواةُ بين الناسِ في الحقوقِ والواجباتِ وأمامَ القانونِ، عدمُ التعدي على المحرماتِ التي جاءت حصراً في كتابِ اللهِ، والكرامةُ للجميعِ دون تمييزٍ أو تهميشٍ أو إقصاءٍ) وحقوقُ الإنسانِ. ويشملُ ذلك ضمناً أن تكونَ التشريعاتُ والقوانينُ الصادرةُ من مجالسِ التشريعِ المنتخبةِ من قبلِ الشعوبِ (أولي الأمرِ منكم) ضمنَ حدودِ اللهِ تبارك وتعالى ورسالتهِ، وأن لا تتعدى على محرماتهِ التي جاءت في كتابهِ حصراً، وهي محدودةٌ جدًا وإنسانيةٌ.

ومن سيختارهم الشعبُ بعدَ ذلك سيرغمُ ويضطرُ العالمُ للتعاملِ معهم، أحبهم أم كرههم، لا خيارَ لديه. الشعبُ هو من يقررُ مصيرهُ طالما لم يعتدِ على حقوقِ غيرهِ ولم يخلّ الكيانُ السياسيُّ الجديدُ المرجوُّ تأسيسهُ بجانبي الشرعيةِ المذكورةِ آنفًا.

ومصالحُ أيِّ دولةٍ في العالمِ في جزيرةِ العربِ لن تمرَّ بغيرِ موافقةِ الشعبِ واستفادتهِ في المقامِ الأولِ من تلك المصالحِ. ونعني بالمصالحِ هنا تلك التي تخصُّ الجوانبِ الاقتصاديةَ حصراً، حيث لن يبقى على جزيرةِ العربِ جنديٌّ غربيٌّ واحدٌ، وستغلقُ كلُّ قواعدِ الأمريكانِ والغربيينَ في منطقتنا، سلمًا أو حربًا، لن نقبلها، يعني لن نقبلها. وهذه مسلمةٌ لا تخضعُ لتفاوضٍ ولا نقاشٍ. ستخرجُ القواتُ الاستعماريةُ من منطقتنا إما بانصياعهم لإرادةِ شعبنا سلمًا، وإلا سينصاعون لذلك بالقوةِ القهريةِ.

إذاً، المصالحُ التي نعنيها هنا هي حصراً الاقتصاديةَ، والاستفادةُ بطبيعةِ الحالِ من الخبراتِ الصناعيةِ والتكنولوجيةِ وغيرها بما يحققُ مصالحَ شعبنا في المقامِ الأولِ. ذلك أن تبادلَ الخبراتِ في مختلفِ المجالاتِ بينَ شعوبِ العالمِ أمرٌ لا يمكنُ الاستغناءُ عنه، بل هو مطلبٌ وواجبٌ شرعيٌّ أساسًا بجانبِ كونهِ واجبًا ومطلبًا نهضويًّا.

ما أودُّ قولهُ هو أننا لم نغفلْ عندَ كتابتنا لتصوراتنا ومقترحاتنا السياسيةِ المستقبليةِ التوازناتِ الدوليةَ وما تستتبعهُ من ميلٍ لطرفٍ على آخر، ولم نغفلْ أن للغربِ مصالحَ كثيرةً في منطقتنا سيدافعُ عنها في البدايةِ من خلالِ دعمِ الكيانِ السعوديِّ المستأمنِ على استمرارِها. ولكن ندركُ أنَّ ذلك كله سيتغيرُ عندما تتغيرُ موازينُ القوى الداخليةِ ويتفككُ الكيانُ الغاصبُ ويعودُ للشعبِ قرارهُ. فالتغييرُ الحقيقيُّ والذي نسعى إليه ونرجوهُ هو التغييرُ الذي يكونُ الشعبُ قائدهُ ومحورهُ. وإذا كانَ الحديثُ هنا معنيًّا في المقامِ الأولِ بالدولِ الكبرى والتوازناتِ الدوليةِ، فمعنيٌّ به ضمناً المحيطُ الإقليميُّ بطبيعةِ الحالِ، بتوازناتهِ وقواهِ وأطرافهِ الفاعلةِ المختلفةِ.

ونحن نتحدثُ عن ذلك كله واضعين في اعتبارنا صعوبةَ أمرِ التغييرِ وتعقيدهِ وشروطهِ ومشاقهِ، لكن حتمًا ليس استحالتهُ، فإِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ .. فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ .. ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي .. ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ. وأختمُ بقولهِ تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].

تعليقات

المشاركات الشائعة