لا يُسْأَلُونَ وَغَيْرُهُمْ يُسْأَلُ
هو الإيمانُ باللهِ وحدَهُ واليومِ الآخرِ مقرونًا بالعملِ الصالحِ، ذلك هو الإسلامُ من حيثِ أركانِه وأسِسِه، بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]، لكن أن تؤمنَ باللهِ ليس هو التصديقُ به فقط كما يظنُّ الكثيرون، فحتى إبليسَ يصدِّقُ بوجودِ اللهِ سبحانه: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ (28) فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ (29) فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ (30) إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ (31) قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ (32) قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ (33) قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ (34) وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ (40)} [الحجر]، لاحظ طلبَ إبليس وفيه إقرارهُ بربوبيةِ اللهِ تعالى: "قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ"… فالتصديقُ إذًا مشمولٌ في الإيمانِ ولكنه وحده غيرُ كافٍ، إذ لا بدَّ أن يتبعَ هذا التصديقَ عملٌ والتزامٌ بمنهجِ اللهِ وشرعه (الصالحِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ والمراعي للواقعِ الإنسانيِّ دائمِ التغيرِ) وبالعملِ الصالحِ، وذاك هو الإيمانُ المطلوبُ بحده الأدنى، حتى نُفرِّقَ بين إيمانِ المسلمِ المطلوبِ، وتصديقِ إبليس الذي هو تحصيلٌ حاصلٌ ولا يغيرُ في الواقعِ شيئًا. فالمسلمُ إذًا يؤمنُ باللهِ وحده، أي يصدقُ به ويلتزمُ بما أنزلهُ من شرعٍ قويمٍ في كتابه الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديه ولا من خلفهِ، ويعملُ الصالحاتِ، ويقرُّ بأن لا أحدَ معَ اللهِ ولا أحدَ بالتالي بينَ الناسِ يعلو فوقَ أحدٍ، ولا أحدَ يحقُّ لهُ من الصفاتِ ما هي للهِ حصريًّا، فلا أحدَ فوقَ المساءلةِ سوى من ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]. وشعارُ «لا إله إلا الله» يختزنُ كلَّ تلك المفاهيمِ وأكثرَ وأعمقَ، فمن يؤمنُ بهذا الشعارِ يعني أنه يقرُّ ويسلّمُ بأنه من تخضعُ له الرقابُ دون سؤالٍ أو جدالٍ أو اعتراضٍ هو الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ لا إلهَ إلا هو، هو اللهُ سبحانه وتعالى، وهو الواحدُ الذي لا يُسألُ عما يفعلُ وهم يُسأَلُون، وينتجُ عن ذلك تباعًا ولزامًا أهمُّ مبدأٍ من مبادئ الإسلامِ العظيمِ والذي على أساسه تأتي الحريةُ والعدالةُ والشورى وبقيةُ المبادئِ والقيمِ الإسلاميةِ الكبرى، نعني مبدأَ المساواةِ، المساواةَ بينَ الناسِ، إذ كيف مثلًا تطبقُ الشورى بينَ الناسِ وفي المجتمعِ فئةٌ ترفعُ نفسها فوقَ بقيةِ الخلقِ؟ إذاً، فمن يؤمنُ بأن «لا إله إلا الله» معناه ومقتضاه أنه يقرُّ بأن كلَّ من عداهُ من الناسِ متساوون، وبالتالي يخضعونَ للمساءلةِ والمحاسبةِ والنقدِ والاعتراضِ والعقابِ، لا أحدَ فوقَ أحدٍ، الكلُّ عبادُ اللهِ. ببساطة، عندما تتلو هذه الآيةَ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، ثم ترفعُ نفرًا من الناسِ فوقَ المساءلةِ أو تسبغُ عليهم صفاتٍ هي للهِ حصريًّا، أو تحيطهم بنوعٍ من القداسةِ فلا يُناقشونَ ولا يُحاسبونَ ولا يُنقدونَ ولا يُعترضُ عليهم، تكون بذلك قد نقضتَ شعارَ «لا إله إلا الله»، وصارَ لديكَ آلهةٌ أخرى فوقَ السؤالِ والحسابِ، وبذلك تقعُ في الشركِ الصراحِ البواحِ سواء اعترفتَ أم لم تعترفْ، أنكرتَ أم أقررتَ، لسانُ حالكَ يقولُ ذلك حتى وإن صرَّحتَ وصرختَ بعكسِ ذلك وبأن لا إلهَ إلا الله، ما دمتَ تظنُّ أن هناكَ فئةً أو أحدًا من الناسِ فوقَ المساءلةِ والنقاشِ والنقدِ والحسابِ والعقابِ… الخ.
لماذا أقولُ كلَّ ذلك؟ تمهيدًا لبيانِ ما يقعُ فيه شعبُ جزيرةِ العربِ الذي يُسمى ظلمًا وعدوانًا بـ "الشعب السعودي"، وما تقعُ فيه بقيةُ الشعوبِ العربيةِ بطبيعة الحالِ، ولكن الحديثُ هنا عن شعبِنا في جزيرةِ العربِ بالذات، وإن كان الأمرُ ينطبقُ على شعوبِنا كلها… بالطبع، ليس كلُّ المسعودينَ يقولونَ بألسنتهم نحن نعبدُ آل سعود، ذلك أن هناكَ بالفعلِ من يقولُها صراحةً كمن قالَ "لا إلهَ إلا محمد بن سلمان"، وغيره، ولكنهم كلهم مشتركونَ في لسانِ الحالِ وإن اختلفوا في لسانِ المقال… ماذا نعني بذلك؟ هم في غالبيتهم كما أشرنا قبلا لا يقولون صراحةً "آل سعود آلهةٌ مع الله"، وإن كان هناكَ من يعلنُ ذلك صراحةً، ولكن لسانُ حالهم أي ما يعتقدونه في أنفسهم وما يمارسونه في حياتهم اليوميةِ يشهدُ بأنهم كلهم (أي، المسعودين، وليس من كفرَ بآل سعود وتحررَ من عبوديتهم) يقرونَ ومقتنعونَ بأن آل سعود لا يمكن أن يخضعوا للمساءلةِ من قبلِ الناسِ أو للحسابِ والعقابِ أو حتى مجردَ الاعتراضِ عليهم ونقدِ نظامهم وقوانينهم أو حتى مجردَ مناقشةِ أوامرِ الملكِ أو ردِّها أو التحفظِ عليها… وبالتالي فإنهم يرفعونهم إلى مستوى الله، تعالى علوا كبيرا، وأصبح آل سعود بذلك "لا يُسألونَ وغيرهم يُسأل"!!! والعياذ بالله… وهذا كله نتيجةٌ طبيعيةٌ للتربيةِ الفاسدةِ والتعليمِ الفاسدِ والأيديولوجيا الكهنوتيةِ التي يؤدلجُ شعبُنا عليها منذ الولادةِ، فآل سعود هم الحقُّ المطلقُ، ومن يعترضُ عليهم تقطعُ عنقهُ، ويستحيل أن يخطئوا أو يظلموا أو يجرموا، فهم معصومونَ وبالتالي فلا يخضعونَ لسؤالٍ ولا لحسابٍ… وهم خلقٌ فوقَ الخلقِ، بل آلهةٌ مع الله، تعالى الله.
إن هذه المسألةَ لهي من أخطرِ المسائل ولا يتجرأُ على التصريحِ بها إلا القلةُ المؤمنةُ الحرةُ، حتى أن كثيرًا من المعارضينَ وممن ينتسبونَ للفكرِ الإسلاميِّ لا يعلنونَ هذه الحقيقةَ، حقيقةَ أن هذا الشعبَ - إلا من رحمَ ربي - واقعٌ في ضلالٍ كبيرٍ وتعدٍ على حقٍ من حقوقِ ربِّ العالمين، برفعهم آل سعود إلى مستوى الله، تعالى الله علوا كبيرا… لماذا نكتمُ هذه الحقيقةَ؟ ولصالحِ من؟ علينا أن نكاشفَ الشعبَ ونصفعهُ بكفِّ الحقيقةِ القرآنيةِ الجليةِ؛ وهي كالتالي: الله وحدهُ لا يُسألُ وغيرهُ يُسألُ، فمن ترفعَ عن المساءلةِ أو النقدِ أو الحسابِ أو العقابِ… فقد تعدى على حقٍ من حقوقِ اللهِ ووضعَ نفسه مع اللهِ جلَّ وعلا، ومن سلَّمَ بذلكَ وأقرَّهُ ورضيَ به فهو واقعٌ في الشركِ معهُ لا محالة… وإلا فما معنى أن تعتقدَ أن آل سعود فوقَ المساءلةِ وأوامرُ الملكِ فوقَ النقدِ والنقضِ؟؟؟؟
وقد سبقَ أن كتبتُ منشورًا منذ فترةٍ يختصرُ واقعَ هذا الشعبِ المختطفِ من قبلِ هذه العصابةِ المالكةِ الغاصبةِ فقلتُ: "المسعودون (السعوديون) يتهمونَ أهلَ الأضرحةِ بالشركِ، ويغفلونَ عن أنهم مشركونَ هم أيضًا، بل ويكفرونَ باللهِ عزَّ وجلَّ. مشركونَ عندما يخلعونَ على غيرِ اللهِ صفاتٍ هي للهِ وحده، كأن يعتبروا آل سعود فوقَ المساءلةِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، وكافرونَ بالخالقِ حينما يؤمنونَ بثباتِ الحالِ ويكفرونَ بسنةِ التغييرِ والتطورِ وقانونِ الهلاكِ، كقولهم "آل سعود إلى الأبد"!، {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴿35﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿36﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿37﴾} [الكهف]… لاحظوا أنه لم يقل إنه كفر بالله، ولكنه أنكر قانونَ التطورِ وتغيرِ الحالِ، فقال له صاحبهُ: "أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا"، ليذكره بمراحلِ تطوره هو ككائنٍ بشري… فهل نلتفتُ لهذه الكارثةِ التي نعيشُ فيها؟ ومتى نصارحُ هذا الشعبَ بحقيقةِ واقعهِ الضال؟؟



تعليقات
إرسال تعليق