شرعية الكيان السياسي في الإسلام: ما المقصود بها؟

مقتبس من كتابنا "مفهوم الملك في القرآن": 
 
 كتبنا كثيرًا في مقالاتٍ عدّة خارج هذا الكتاب عن قضية الشرعية، وأنها الأساسُ الذي عليه يقوم كلُّ شيءٍ في أيّ كيانٍ سياسيٍّ يتبنّى فلسفة الإسلام ومبادئه، وينطلق منها. وسبق — أيضًا — أن أشرنا إلى جانبي الشرعية في مقالاتٍ عدّة، لكنني شعرتُ بأنه من الواجب عليَّ إيضاحَ ما نعني بالشرعية نفسها؛ فهناك من يظنّ أن الشرعية المقصودة هي شرعيةٌ دينية، أو طقوسية، أو شعائرية، فيعتبر أن الكيانَ السياسيّ الذي يرفع لافتاتٍ وشعاراتٍ "إسلامية"، ويقيم الناس فيه الصلاة، ويصومون رمضان، وغير ذلك من شعائر، يُعدُّ شرعيًا، وبالتالي "إسلاميًا". وهذا غيرُ صواب؛ لذلك، وجب توضيح المقصود. 

المبادئ السياسية الإسلامية جاءت واضحة في القرآن الكريم، وكان على رأسها مبدأ الشورى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، المنبثق أساسًا من شعار التوحيد «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ»، الذي يعني عمليًا المساواة بين البشر جميعهم، فلا أحد يعلو على أحد، والناس كلهم عباد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي كرَّم بني آدم وسَخَّر لهم الأرض وما فيها، وجعل الإنسان خليفة عليها. ومن المساواة تتولد الحرية والشورى والعدالة وبقية مبادئ الإسلام الكبرى. إذ يستحيل عقلاً أن تتحدث عن حرية ومشاركة سياسية وعدالة في مجتمع مقسم إلى أسياد وعبيد، مالكين ومملوكين، متبوعين وتابعين مُستعبَدين. وفي الإسلام ذاته، أهم شروط التكليف هي الحرية والعقل. فالحرية مكانتها في الإسلام وفلسفته الشاملة لا يماثلها مكانة، واحتفاء الإسلام بها أعظم من احتفاء أي فلسفة أو عقيدة أرضية بشرية تدعو للحرية وحقوق الإنسان …الخ. 

فإذا كانت الحرية شرط صحة الإيمان وأساس التكليف في الإسلام، فكيف بما هو دون ذلك؟ وكل شيء دونه. والكفر بالطغيان شرط الإيمان بالله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 256)، أي أن الإيمان بالله تبارك وتعالى هو المرادف للحرية، بل هو عين الحرية. ماذا يعني هذا كله؟ إن صحة الإيمان مشروطة بحرية اختيار الإنسان، أو إن جاز التعبير، شرعية الإيمان والتكليف في الإسلام مرهونان بحرية الاختيار واقتناع الإنسان، الذي عليه أن يكفر بكل أشكال الطغيان حتى يكون جديرًا بوصف الإيمان. 

إذاً، الحرية هنا ركن وأساس وشرط وجوهر ومبدأ ثابت وراسخ في الإسلام كعقيدة ودين. والأمر كذلك في الإسلام كفلسفة سياسية، أي أنه إذا كان شرط شرعية وصحة الاعتقاد هو حرية واقتناع الإنسان وتحرره من كل أشكال الطغيان والضغط والإكراه، فإن الأمر حتمًا كذلك في كل ما هو دون ذلك، ونعني هنا شرعية الكيان السياسي. فلا يمكن وصف أي كيان سياسي بأنه شرعي في غياب إرادة الناس وحريتهم واختيارهم داخل هذا الكيان، ولكن مع ذلك، فهذا هو الجانب الأول فقط. أي لا يزال هناك الجانب الآخر، الذي إذا غاب، ظلت الشرعية منقوصة وبالتالي، كان الكيان منقوص الشرعية. إذاً، الجانب الأول لشرعية أي كيان سياسي ينطلق من فلسفة الإسلام ومبادئه وشرعه الحنيف هو اختيار ورضا وحرية الشعب في ذلك الكيان، أي انبثاق كيانهم عنهم وباختيار منهم، وفيه يحكمون أنفسهم بأنفسهم. الشعب هو صاحب القرار عبر ممثليه المنتخبين. وهذا هو مبدأ الشورى، والديمقراطية هي أنسب آلية معاصرة توصل لها العقل البشري لممارسة الشورى، أو هي الأقل سوءًا. فالديمقراطية إذًا هي الآلية المعاصرة للشورى. والجانب الثاني هو التزام ذلك الكيان وسياساته ومواثيقه بمبادئ الإسلام الكبرى، وعلى رأسها: (الحرية "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وإذا كان لا إكراه في الدين، فحتماً وعقلاً وبداهةً لا إكراه في كل ما دونه، الشورى "حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها"، وحدة الأمة، العدالة، المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وأمام القانون، عدم التعدي على المحرمات التي جاءت حصراً في كتاب الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (والمعارضة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والصحف والمظاهرات والمؤتمرات والتجمعات السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي… إلخ هي التمثل المعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والكرامة للجميع دون تمييز أو تهميش أو إقصاء) وصون حقوق الإنسان، كل إنسان. وأن تكون التشريعات والقوانين الصادرة من مجالس التشريع المنتخبة من قبل الشعوب (أُولي الأمر منكم)، ضمن حدود الله تبارك وتعالى ورسالته، وألّا تتعدّى على محرّماته التي جاءت في كتابه حصرًا، وهي محدودة جدًا وإنسانية، وأن يكون كتاب الله هو المرجع عند النزاع. 

فإن تحقق هذان الشرطان أو الجانبان في أي كيان سياسي، فإنه يكون قد حقق الشرعية بجانبيها. وهذا هو مقصودنا عندما نتحدث عن الشرعية للكيان السياسي. فليس إذًا معيار الشرعية كما يتوهم البعض متعلقًا ومحصورًا بكون الناس يستطيعون أداء الشعائر الدينية الطقوسية، فذلك حاصل في كل الكيانات السياسية في العالم؛ الشرعية منها ومنقوصة الشرعية وحتى منعدمة الشرعية. 

ومثال الأخيرة (منعدمة الشرعية) يبدو جليًا في حالة معظم الكيانات السياسية العربية و"الإسلامية"، فهي فاقدة لكلا جانبي الشرعية، ومع ذلك الناس تصلي وتصوم وتحج وتعتمر وتدفع الزكاة التي تذهب لجيوب الطواغيت والمفسدين في نهاية المطاف. 

ومثال الثانية (منقوصة الشرعية) نراه في كثير من الدول الغربية التي تحقق جانب الشرعية الأول، بحيث هناك ديمقراطية وحرية وعدالة للشعوب داخل تلك الدول، ولكنها في ذات الوقت ترتكب المجازر والفظائع خارج حدودها، وتدعم المستبدين والطواغيت والمجرمين في العالم ومنطقتنا العربية والإسلامية خصوصًا، ومع بعض التجاوزات على المحرمات في تشريعاتها وقوانينها (كتقنين المثلية مثلًا، والربا..إلخ). فالكيان السياسي الذي ينطلق من فلسفة وتعاليم الإسلام لا يمكن أن يعتدي على شعب آخر أو يغتصب أرضه أو يصدر منه أي ظلم لغيره من الدول والشعوب في العالم أو يشارك في ذلك أو يساهم فيه بأي شكل من الأشكال، وسياسته تجاه الآخرين هي {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190)، ولا أن يتعدى في تشريعاته على المحرمات القطعية التي في كتابه تعالى… بينما نرى العكس في معظم الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا، وكيان الاحتلال الصهيوني خير برهان على ذلك. فالغرب من صنعه، وكذلك صنع كيانات الغصب والتوريث والطغيان في كل منطقتنا العربية. وهو من يسلحها ويدعمها ويحميها.

أما مثال الكيان السياسي مكتمل الشرعية، فنادرًا ما يكون، وقد تحقق بأبهى صورة تاريخية له، وفي ظل عصور الوراثيات والإمبراطوريات والتوحش، في دولة المدينة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم… وهذا ما نسعى نحن لتحقيقه بالآليات المعاصرة، ولا نقصد إعادة التاريخ أو تقليده، بل نقصد التأسي بالنموذج المتحرر الإنساني الإسلامي الذي صنعه النبي الخاتم، مع مراعاة العصر وشروطه ومتغيراته. نقصد إعادة تفعيل مبادئ الإسلام الكبرى: الشورى، والحرية، والمساواة، والعدالة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الطغيان والفساد والعدوان والظلم والقهر والظلمات… تلك المبادئ التي سرعان ما اندثرت شيئًا فشيئًا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، حتى وصلنا إلى هذا الحال الذي تشهده أمتنا في جميع البلدان العربية والإسلامية. 

إذًا، حتى نختصر ولا نطيل: إنّ شرعية أي كيانٍ سياسي ينطلق من فلسفة الإسلام السياسية ومبادئه وشرعه، لها جانبان، إذا تحقّقا، صار الكيان شرعيًا. وهذان الجانبان يُشكّلان الحدّ الأدنى لإسلامية أي كيان. وقد قلنا إنها – مجملةً لا مفصّلة – مع مزيد من التوضيح هنا:

أولًا: أن يكون قيام ذلك الكيان بإرادة ورضا واختيار الشعب / الأمة – رجالًا ونساءً – وانبثاق الكيان عنهم باختيار منهم، وقرارهم بيدهم (أي: الشورى، والديمقراطية هي آليّتها المعاصرة المتاحة والممكنة والأقل سوءًا عالميًّا - ضمن مرجعية الشريعة). والشورى تقتضي عدم وجود أيّ شكلٍ من أشكال التوريث، أو التفرُّد بالأمر والقرار، أو احتكار الأموال والثروات: "السلطان: الملك العام"؛ فلا ملكيات، ولا وراثيات بكل أشكالها.

وهذه نقطة يغفل الكثيرون عنها، خاصة الإسلاميون؛ فبمجرد وجود شكلٍ أو صيغةٍ ما من أشكال وصيغ التوريث، فإنها تُسقط فورًا صفة "الإسلامية" عن ذلك الكيان السياسي أو الدولة، حتى ولو قيل "ملكية دستورية"، لا فرق؛ فالدستور، كما قلنا، لا يجعل الحرام حلالًا، ولا الباطل حقًّا.

ولذلك، لو قيل لنا: هل نظام مثل "الملكية الدستورية" في بريطانيا وغيرها من دول أوروبا والعالم - ورغم ما فيها من مستوى أفضل من غيرها من ناحية الحريات العامة والحقوق -، لو قيل: أليس ذلك مقبولًا إسلاميًّا؟ أو ما المانع من اتخاذه نموذجًا يُحتذى به باعتبار أنه لا يتعارض مع مقاصد الشريعة؟

نقول له على الفور: بل هو يتعارض مع جوهر الشريعة التي تنص على الشورى، والشورى والتوريث نقيضان لا يجتمعان. فالشورى بما هي تشارك وتداول وحوار وحرية وسعة، لا يمكن لها أن تجتمع في آن واحد هي والتوريث بما هو استبداد بالحكم وحصره في سلالة واحدة دونًا عن بقية الشعب أو الأمة. فإذا حضر التوريث، قُضي على الشورى وكان الاستبداد والإكراه وتكميم الأفواه والتسلط والاستئثار بالقرار والسلطة والمال. وإذا كانت الشورى، انتفى التوريث وحل التشارك والتداول والحوار والتوافق وحرية الاختيار والكلام والاعتراض. 

ونزيد في التبيان: إنه نظامٌ جاهليٌّ كُفريٌّ، ولا يقبل الإسلام به بأي حال من الأحوال. لا وراثيات مطلقًا، بأي صيغةٍ وكل الصيغ، دستورية أو غير دستورية. الأمر في الإسلام (مطلق الأمر؛ والشأن العام هنا هو المعني في المقام الأول) شورى بين الأمة، كل الأمة. وكون ذلك كذلك، فإنه يقتضي انتفاء الوراثيات بكل صيغها، حتى الرمزية منها؛ كلها مرفوضة رفضًا قاطعًا، لا يقبل أي نقاش. ولنا كتابٌ كاملٌ في هذا الموضوع بعنوان: "مفهوم المُلْك في القرآن، بين التمكين المشروط المؤقّت، والتمليك المطلق الدائم"، فليُراجَع وليُفهم جيدًا.

ثانيًا: التزام هذا الكيان بمبادئ الإسلام الكبرى، وعلى رأسها:

1. الحرية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". و"فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ". وإذا كان لا إكراه في الدين، وهو المرجع والحاكم والأساس، فحتمًا وعقلًا وبداهةً: لا إكراه في كل ما دونه، وكل شيء دونه.

2. أن تكون الشورى، التي هي: (حقّ الأمة في حكم نفسها بنفسها)، ضمن مرجعية وحاكميّة الوحي، وبما لا يتعارض معه.

3. وحدة الأمة: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" / "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" / "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" / "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ".

فكل الدول الإسلامية مرجعيّتها واحدة، وسِلْمهم وحربهم واحدة، واقتصادهم يكون موحّدًا، وكلمتهم -على الأقل في القضايا الكبرى والاستراتيجية- واحدة.

وشرط المواطنة الوحيد هو الإسلام، والرضا بحكم الإسلام (لغير المسلمين)، بمعنى أنه وإن وُجدت دول إسلامية متعددة، فإن المسلم فيها وبينها يتنقّل بحرية تامة، دون أية قيود، وله حقّ العيش والعمل في أيّ من البلدان الإسلامية شاء. ولا يبقى سوى شروط التصويت، التي تحتاج لعدد من السنين إقامة في ذلك البلد، حتى يعرف من الأصلح لإعطائه صوته؛ فالصوت أمانة. وهذا إجراء طبيعي؛ فليس معقولًا أن تُصوّت لأحد لا تعرفه، ولا تعرف المشكلات المحلية لذلك البلد، ما لم تقم هناك لفترة زمنية معقولة، تمكّنك من التمييز ومعرفة الأمور جيدًا.

4. القِسط: العدل "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.." (الحديد: 25). والقِسط هو فيما أنزله المولى عز وجل، فيتحقّق بتحقيق ما نصّ عليه القرآن العظيم، وبما لا يتعارض معه.

ونقول "بما لا يتعارض معه" لأن المباحات لا حصر لها، والأصل في الأمور الإباحة، فكل مباح هو إسلامي بالضرورة.

وبالتالي، إن استفاد المسلمون من أي آلية لا تتعارض مع مرجعية الوحي —وإن لم ينص عليها— في شتّى شؤونهم، فهم بذلك ملتزمون بالوحي، غير مخالفين له.

5. المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وأمام القانون الذي هو متفق مع الشريعة؛ إذ إننا عندما نقول: "سيادة القانون" أو "المساواة أمامه"، فإننا نقصد القانون المتفق مع الشريعة الإسلامية، أو الذي لا يتعارض معها.

6. عدم التعدي على المحرّمات التي جاءت حصرًا في كتاب الله، ذلك أن المرجع التشريعي الأعلى في الإسلام، والحاكم على كل ما سواه، هو كتاب الله؛ فحرامه هو الحرام، وحلاله هو الحلال.

7. التواصي بالحق، والصبر على ذلك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقلنا: إن المعارضة السياسية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، والصحف، والمظاهرات، والمؤتمرات، والتجمّعات السياسية، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي… إلخ، هي التمثّل العملي والمعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا تظهر لنا مسؤولية الفرد المسلم؛ فالمسلم ذو رأي وشخصية ومرجعية متعالية، لا يقبل من أحد تجاوزها.

8. الكرامة للجميع، دون تمييز أو تهميش أو إقصاء: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ". وصَون حقوق الإنسان، كل إنسان، ومعرفة أن الأكرم عند الله هو الأتقى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". فلا محلّ مطلقًا لعنصرية أو تعصّب؛ ورب العالمين خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، لا لنتذابح أو يعلو بعضُنا على الآخر. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13). 

9. أن تكون كل التشريعات والقوانين الصادرة من مجالس التشريع المنتخبة من قبل الأمة (أُولي الأمر منكم)، ضمن حدود الله تبارك وتعالى ورسالته، ومنضبطة بمرجعية الوحي، ولا تتعارض معه؛ فلا تتعدّى على محرّماته التي جاءت في كتابه تعالى، وهي محدودة وإنسانيّة، أي يفهمها كل إنسان.

ومن المحرّمات: أن العدوان على من لم يُحاربنا في ديننا وحريتنا، أو يُظاهر عدونا علينا، فعلٌ محرّم، لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190).

10. أن يكون المرجع عند وقوع النزاع بين الأمة وأولي الأمر هو كتاب الله تعالى، عبر هيئة عُليا من كبار العقول الموسوعية المنتخبة، تكون قادرة على فَضّ النزاع بردّه إلى كتاب الله وهدي رسوله، لاستنباط الحكم الشرعي الذي تذعن له كل الرؤوس، على أن يكون مستندًا إلى النصّ القطعي (الوحي).

إذ المرجعية القطعية المُتعهد بحفظها من المولى سبحانه هي القرآن العزيز: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9).

ثم بعد ذلك، يُؤخذ من الروايات المنسوبة للنبي الكريم، بما لا يُخالف نصّ الوحي؛ إذ إنه إذا كان الرسول معصومًا من مخالفة الوحي، وهو أوّل مأمور باتباعه، عرفنا أنه حتمًا لم يُخالفه، وأدركنا أن صحيح هديه هو القرآن، ولزومه مرجعًا وحاكمًا ومهيمنًا على كل ما سواه. فمن التزم به حاكمًا ومهيمنًا، كان على هدي الرسول ﷺ. وإذا كان القرآن مُهيمنًا على الكتب السابقة المنزلة، وهي من عند الله: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ…" (المائدة:48)، فكيف لا يكون مُهيمنًا على "البخاري" و"مسلم" و"الكافي" وغيرها من كتب الحديث والروايات، التي تغصّ بها المكتبة الإسلامية لدى مختلف المذاهب والفرق؟

فإذًا: المرجعية القطعية والمُهيمنة، والمُتعهد بحفظها من قبل الله بنصّ الوحي، هي هذا الكتاب العظيم: القرآن الكريم، ثم ما وافقه ولم يُعارضه مما نُسب إلى النبي الخاتم، فيُؤخذ به كتحصيل حاصل.

تعليقات

المشاركات الشائعة