شرعية الكيان السياسي في الإسلام: ما المقصود بها؟
أولًا: أن يكون قيام ذلك الكيان بإرادة ورضا واختيار الشعب / الأمة – رجالًا ونساءً – وانبثاق الكيان عنهم باختيار منهم، وقرارهم بيدهم (أي: الشورى، والديمقراطية هي آليّتها المعاصرة المتاحة والممكنة والأقل سوءًا عالميًّا - ضمن مرجعية الشريعة). والشورى تقتضي عدم وجود أيّ شكلٍ من أشكال التوريث، أو التفرُّد بالأمر والقرار، أو احتكار الأموال والثروات: "السلطان: الملك العام"؛ فلا ملكيات، ولا وراثيات بكل أشكالها.
وهذه نقطة يغفل الكثيرون عنها، خاصة الإسلاميون؛ فبمجرد وجود شكلٍ أو صيغةٍ ما من أشكال وصيغ التوريث، فإنها تُسقط فورًا صفة "الإسلامية" عن ذلك الكيان السياسي أو الدولة، حتى ولو قيل "ملكية دستورية"، لا فرق؛ فالدستور، كما قلنا، لا يجعل الحرام حلالًا، ولا الباطل حقًّا.
ولذلك، لو قيل لنا: هل نظام مثل "الملكية الدستورية" في بريطانيا وغيرها من دول أوروبا والعالم - ورغم ما فيها من مستوى أفضل من غيرها من ناحية الحريات العامة والحقوق -، لو قيل: أليس ذلك مقبولًا إسلاميًّا؟ أو ما المانع من اتخاذه نموذجًا يُحتذى به باعتبار أنه لا يتعارض مع مقاصد الشريعة؟
نقول له على الفور: بل هو يتعارض مع جوهر الشريعة التي تنص على الشورى، والشورى والتوريث نقيضان لا يجتمعان. فالشورى بما هي تشارك وتداول وحوار وحرية وسعة، لا يمكن لها أن تجتمع في آن واحد هي والتوريث بما هو استبداد بالحكم وحصره في سلالة واحدة دونًا عن بقية الشعب أو الأمة. فإذا حضر التوريث، قُضي على الشورى وكان الاستبداد والإكراه وتكميم الأفواه والتسلط والاستئثار بالقرار والسلطة والمال. وإذا كانت الشورى، انتفى التوريث وحل التشارك والتداول والحوار والتوافق وحرية الاختيار والكلام والاعتراض.
ونزيد في التبيان: إنه نظامٌ جاهليٌّ كُفريٌّ، ولا يقبل الإسلام به بأي حال من الأحوال. لا وراثيات مطلقًا، بأي صيغةٍ وكل الصيغ، دستورية أو غير دستورية. الأمر في الإسلام (مطلق الأمر؛ والشأن العام هنا هو المعني في المقام الأول) شورى بين الأمة، كل الأمة. وكون ذلك كذلك، فإنه يقتضي انتفاء الوراثيات بكل صيغها، حتى الرمزية منها؛ كلها مرفوضة رفضًا قاطعًا، لا يقبل أي نقاش. ولنا كتابٌ كاملٌ في هذا الموضوع بعنوان: "مفهوم المُلْك في القرآن، بين التمكين المشروط المؤقّت، والتمليك المطلق الدائم"، فليُراجَع وليُفهم جيدًا.
ثانيًا: التزام هذا الكيان بمبادئ الإسلام الكبرى، وعلى رأسها:
1. الحرية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". و"فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ". وإذا كان لا إكراه في الدين، وهو المرجع والحاكم والأساس، فحتمًا وعقلًا وبداهةً: لا إكراه في كل ما دونه، وكل شيء دونه.
2. أن تكون الشورى، التي هي: (حقّ الأمة في حكم نفسها بنفسها)، ضمن مرجعية وحاكميّة الوحي، وبما لا يتعارض معه.
3. وحدة الأمة: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" / "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" / "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" / "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ".
فكل الدول الإسلامية مرجعيّتها واحدة، وسِلْمهم وحربهم واحدة، واقتصادهم يكون موحّدًا، وكلمتهم -على الأقل في القضايا الكبرى والاستراتيجية- واحدة.
وشرط المواطنة الوحيد هو الإسلام، والرضا بحكم الإسلام (لغير المسلمين)، بمعنى أنه وإن وُجدت دول إسلامية متعددة، فإن المسلم فيها وبينها يتنقّل بحرية تامة، دون أية قيود، وله حقّ العيش والعمل في أيّ من البلدان الإسلامية شاء. ولا يبقى سوى شروط التصويت، التي تحتاج لعدد من السنين إقامة في ذلك البلد، حتى يعرف من الأصلح لإعطائه صوته؛ فالصوت أمانة. وهذا إجراء طبيعي؛ فليس معقولًا أن تُصوّت لأحد لا تعرفه، ولا تعرف المشكلات المحلية لذلك البلد، ما لم تقم هناك لفترة زمنية معقولة، تمكّنك من التمييز ومعرفة الأمور جيدًا.
4. القِسط: العدل "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.." (الحديد: 25). والقِسط هو فيما أنزله المولى عز وجل، فيتحقّق بتحقيق ما نصّ عليه القرآن العظيم، وبما لا يتعارض معه.
ونقول "بما لا يتعارض معه" لأن المباحات لا حصر لها، والأصل في الأمور الإباحة، فكل مباح هو إسلامي بالضرورة.
وبالتالي، إن استفاد المسلمون من أي آلية لا تتعارض مع مرجعية الوحي —وإن لم ينص عليها— في شتّى شؤونهم، فهم بذلك ملتزمون بالوحي، غير مخالفين له.
5. المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وأمام القانون الذي هو متفق مع الشريعة؛ إذ إننا عندما نقول: "سيادة القانون" أو "المساواة أمامه"، فإننا نقصد القانون المتفق مع الشريعة الإسلامية، أو الذي لا يتعارض معها.
6. عدم التعدي على المحرّمات التي جاءت حصرًا في كتاب الله، ذلك أن المرجع التشريعي الأعلى في الإسلام، والحاكم على كل ما سواه، هو كتاب الله؛ فحرامه هو الحرام، وحلاله هو الحلال.
7. التواصي بالحق، والصبر على ذلك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقلنا: إن المعارضة السياسية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، والصحف، والمظاهرات، والمؤتمرات، والتجمّعات السياسية، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي… إلخ، هي التمثّل العملي والمعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا تظهر لنا مسؤولية الفرد المسلم؛ فالمسلم ذو رأي وشخصية ومرجعية متعالية، لا يقبل من أحد تجاوزها.
8. الكرامة للجميع، دون تمييز أو تهميش أو إقصاء: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ". وصَون حقوق الإنسان، كل إنسان، ومعرفة أن الأكرم عند الله هو الأتقى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". فلا محلّ مطلقًا لعنصرية أو تعصّب؛ ورب العالمين خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، لا لنتذابح أو يعلو بعضُنا على الآخر. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13).
9. أن تكون كل التشريعات والقوانين الصادرة من مجالس التشريع المنتخبة من قبل الأمة (أُولي الأمر منكم)، ضمن حدود الله تبارك وتعالى ورسالته، ومنضبطة بمرجعية الوحي، ولا تتعارض معه؛ فلا تتعدّى على محرّماته التي جاءت في كتابه تعالى، وهي محدودة وإنسانيّة، أي يفهمها كل إنسان.
ومن المحرّمات: أن العدوان على من لم يُحاربنا في ديننا وحريتنا، أو يُظاهر عدونا علينا، فعلٌ محرّم، لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190).
10. أن يكون المرجع عند وقوع النزاع بين الأمة وأولي الأمر هو كتاب الله تعالى، عبر هيئة عُليا من كبار العقول الموسوعية المنتخبة، تكون قادرة على فَضّ النزاع بردّه إلى كتاب الله وهدي رسوله، لاستنباط الحكم الشرعي الذي تذعن له كل الرؤوس، على أن يكون مستندًا إلى النصّ القطعي (الوحي).
إذ المرجعية القطعية المُتعهد بحفظها من المولى سبحانه هي القرآن العزيز: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9).
ثم بعد ذلك، يُؤخذ من الروايات المنسوبة للنبي الكريم، بما لا يُخالف نصّ الوحي؛ إذ إنه إذا كان الرسول معصومًا من مخالفة الوحي، وهو أوّل مأمور باتباعه، عرفنا أنه حتمًا لم يُخالفه، وأدركنا أن صحيح هديه هو القرآن، ولزومه مرجعًا وحاكمًا ومهيمنًا على كل ما سواه. فمن التزم به حاكمًا ومهيمنًا، كان على هدي الرسول ﷺ. وإذا كان القرآن مُهيمنًا على الكتب السابقة المنزلة، وهي من عند الله: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ…" (المائدة:48)، فكيف لا يكون مُهيمنًا على "البخاري" و"مسلم" و"الكافي" وغيرها من كتب الحديث والروايات، التي تغصّ بها المكتبة الإسلامية لدى مختلف المذاهب والفرق؟
فإذًا: المرجعية القطعية والمُهيمنة، والمُتعهد بحفظها من قبل الله بنصّ الوحي، هي هذا الكتاب العظيم: القرآن الكريم، ثم ما وافقه ولم يُعارضه مما نُسب إلى النبي الخاتم، فيُؤخذ به كتحصيل حاصل.


تعليقات
إرسال تعليق