الدولة العادلة: الشورى أساسها والتوريث نقيضها

saudi caricature
دولة عادلة… هذا ما ينادي به الجميع، ونحن من ضمن هؤلاء طبعًا. والعدل قيمة جوهرية وأساسية في الإسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ 
[النحل: 90]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة النساء: 58]. والله تعالى يؤكد ذلك حينما يجعل الهدف من إنزال الكتب والرسالات هو إقامة القسط، وهو أكثر من العدل أو هو تمام العدل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25]. ولكن لهذا العدل أو القسط تمظهراته؛ الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية، وتمظهره السياسي هو الشورى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ"، بحيث إن الدولة العادلة لا تكون عادلة ما لم تقم هي وسياساتها وكل شيء فيها على الشورى. الشورى في الأمر كله بين الشعب كله رجالًا ونساءً. وعليه، فإن مطالبتنا بالدولة العادلة يعني ضمناً وبداهة المطالبة بالشورى كونها التمظهر السياسي للعدل، أو هي العدل السياسي بتعبير آخر. بجانب بقية صور العدل. 

والشورى بما هي تشارك وتداول وحوار وحرية وسعة، لا يمكن لها أن تجتمع في آن واحد هي والتوريث بما هو استبداد بالحكم وحصره في سلالة واحدة دونًا عن بقية الشعب. فإذا حضر التوريث، قُضي على الشورى وكان الاستبداد والإكراه وتكميم الأفواه والتسلط والاستئثار بالقرار والسلطة والمال. وإذا كانت الشورى، انتفى التوريث وحل التشارك والتداول والحوار والتوافق وحرية الاختيار والكلام والاعتراض.

إذًا، والأمر كذلك، يصبح الحديث عن دولة المواطنة والعدالة والقانون والمؤسسات محض هراء وضربًا من العبث والخبل في غياب الشورى كمبدأ أساسي للكيان السياسي ونظامه ومؤسساته وكل شيء فيه. لذلك، لا يمكن بل يستحيل أن نناقش موضوع التغيير والإصلاح في جزيرة العرب - لأن الحديث هنا عنها - دون التطرق لطبيعة النظام القائم هناك، وهو النظام الوراثي. وكل ملكية هي وراثية، ولا مجال في الإسلام للتوريث كما شرحنا آنفًا، ولا لأن تكون طبقة من الناس فوق بقية الناس، وتحمل ألقاب السمو والجلالة والفخامة والمعالي… إلخ، كما هو الحاصل حتى في ما يسمى بالملكيات الدستورية. فإذا كان الملك في هذه الأخيرة يملك ولا يحكم، أي وإن لم يكن حاكمًا آمرا ناهيا، فإنه تبقى له سلطة "شرفية" ومكانة فوق الناس له ولسلالته بالإضافة إلى الامتيازات والمخصصات المالية وغيرها. وفي مجتمع الإسلام لا مجال لهذا العلو والتعالي لفئة ما على بقية فئات الشعب، والمساواة بين الناس هي الثمرة الأولى والمباشرة لعقيدة التوحيد «لا إله إلا الله». لا أحد يعلو على أحد حتى وإن ارتضى بعض الناس ذلك.

كأن يستشهد أحدهم معترضًا بنموذج بريطانيا - وأشباهها - على سبيل المثال: أليست بريطانيا ملكية دستورية؟ فلماذا لا نكون مثلها؟ وما العيب فيها؟ ببساطة نجيب: بريطانيا ليست مرجعنا، وهي بإبقاء فئة من المجتمع هي الأسرة المالكة فوق بقية الناس، وإعطائها ألقابًا تأليهيّة وامتيازات اقتصادية وغيرها، فكل ذلك - ومثله - هو مخالف لشكل المجتمع الذي ينطلق من فلسفة الإسلام ومصدره القرآن. ومن هنا، مرجعنا هو الإسلام وكتابه العزيز، لا بريطانيا ولا غيرها من العالمين. ثم إن الشعب البريطاني سبق وقطع رأس تشارلز الأول، أي أنه حتى شكل الحكم هذا الذي نراه اليوم لم يأت بلا ثمن. وإن كان مرفوضًا لدينا كمسلمين، فلا وجود للملكية من الأصل، لا دستورية ولا غير دستورية، وإنما الأمر للشعب كله، شورى بينهم. ويستحيل أن يكون الأمر «شورى بينهم» وفوقهم فئة تملكهم وتُسبغ عليها صفات القداسة والتأليه. فضلًا عن أن ذلك نقيض لثمرة التوحيد الأولى، ألا وهي المساواة بين الناس. ولا علاقة لذلك طبعًا بالتفاضل في الرزق، فذلك مرده لكل إنسان وجهده، والأمر متاح للجميع، على أن لا يكون أحد تحت خط الفقر أو لا يعيش حياة يتوفر له فيها كل أساسيات وضرورات الحياة الكريمة.

وإذا كان الإصلاح بمعناه العام والخاص يتضمن ويشترط الإصلاح السياسي، أي تحقيق الشورى، فإن معنى ذلك إنهاء التوريث والملكية بكل أشكالها. وإذا كان الشعب قادرًا على إجبار آل سعود على التنازل عن سلطتهم والقبول بالملكية الدستورية، فلماذا يتم الإبقاء عليهم حينئذٍ، وهم الغاصبون السارقون المحتلون التكفيريون القاتلون؟ هل هو نزوع خفي نحو المازوخية مثلًا؟ أن نبقي عليهم ونحن من بيدنا السلطة؟ أن يكونوا مالكين لنا ثم ندعي أننا مسلمون وأحرار؟! أي إسلام هذا الذي يقبل بتقسيم البشر بين سادة وعبيد وملوك ومملوكين؟! هذا ليس الإسلام، الإسلام هو المساواة، والملك لله وحده لا شريك له فيه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: 111]. هذا لمن وعى حقيقة قيم الإسلام وتشبع بها ولم يقبل بتحريفات المحرفين من كهنة السلاطين وعبيدهم…

إذًا، لا إصلاح، سواء حقوقي أو اجتماعي أو اقتصادي، بلا إصلاح سياسي. والإصلاح السياسي يعني تحقيق المشاركة الشعبية أولاً وقبل كل شيء، أي انتزاع الشعب لحقه في حكم نفسه بنفسه، أي بتحقيق الشورى. وتحقيق الشورى يستلزم القضاء على التوريث، والقضاء على التوريث يعني القضاء على الملكيات، والقضاء على الملكيات يعني القضاء على فكرة تقسيم الناس إلى مالكين ومملوكين…

تعليقات

المشاركات الشائعة