الشورى أصل لا فرع

لطالما كَثُر الحديثُ واللَّغطُ والتخبُّطُ حول مسألةِ الحُكمِ في تاريخِ المسلمين، سواء لدى السُّنَّة أو الشيعة، فقال أهلُ السُّنَّة: إنَّ الحُكمَ أو الخلافةَ أمرٌ سياسيٌّ وليس دينيًّا، أو هو من الفروعِ وليس من الأصول. ومعنى ذلك: أنهم لا فرقَ لديهم - أو لا يَجرح تدَيُّنَهم - إن كان الحاكمُ رئيسًا مُنتخَبًا، أو ملكًا وارثًا للملك، مُغتصبًا للحكم؛ بمعنى أنهم لا يعتبرون مَن يغتصبُ السُّلطةَ في بلدٍ ما خارجًا عن أصلٍ من أصول الإيمان، بما جاء في كتاب الله، أو بأصلٍ من أصول الاعتقاد. ومن ذلك أنهم يَقبلون بإمارةِ المتغلب، ويُشرعنونها، ويحرِّفونَ الدينَ والكلمَ لأجل ذلك. فمنهم - مثلًا - مَن يقول، وأتباعُه يسمُّونه (علامةَ هذا العصر): إنَّ الوارثَ للحكم، المُغتصبَ للسلطة، إذا رعى مصالحَ العباد، وأقام حدودَ الله وشرعَه، فذلك أقلُّ ضررًا من غيره.

والسؤالُ للأخ العلّامة: أليس من شرعِ الله أصلًا أن لا يُورَّث الحُكم، وألا تُغتصب السلطة؟! فإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك -؛ فكيف يمكن للغاصب، الوارثِ للحكم، أن يُقيم شرعَ الله، وحُكمُه قد قام على أنقاضه؟! كيف يُعير شرعَ الله اهتمامًا، ووجودُه قد كان على جثَّة الشرع وأحكامه؟! ماذا بقي من الشرع ليُقيمه؟! 

وأمّا الشيعة، فيَعتبرون الإمامةَ من الأصول، وهي مما نَصّ عليه النبيّ (حاشاه)، وجعلوها محصورةً في عليٍّ ومن في ذريته، وجعلوا لأئمتهم عصمةً وقداسة، حتى صاروا آلهةً تُعبد من دون الله؛ فكان ضلالُهم أخطرَ من ضلالِ أهلِ السُّنَّة. وهم أيضًا شرّعوا للحكم الوراثي، باعتبار أن الإمام لا بدّ أن يكون من نسلِ عليٍّ وفاطمة. ثم لديهم تقسيماتُهم حول الغيبة الصغرى والكبرى، التي جاء على إثرها فِكرةُ ولاية الفقيه في إيران (حُكم الكهنوت)، وهو تفويضٌ مؤقتٌ للقيادة الدينية والسياسية، لحين خروج المهدي المنتظر، وذلك بأن يسُدَّ فراغَ غيبةِ الإمام المهدي، الذي سيعود في آخر الزمان، ليملأ الأرضَ قِسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا… إلى آخر ذلك من الخُرافات، ومحاولات تحريفِ هذا الدين، الذي لم تُتقن هذه الأمّة شيئًا مثلما أتقنته؛ شيعةً وسُنّة.

ماذا أُريد أن أقول؟

ببساطة: إنّ مَن يُسمَّون "أهلَ السُّنَّة" على ضلالٍ، ومِثلُهم الشيعة كذلك؛ فكِلا الطرفَين بعيدٌ عن كتابِ الله تبارك وتعالى، الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: 42]. فماذا قالَ كتابُ الله؟ 

لقد أعطانا تبارك وتعالى المبادئَ الأساسية، التي إذا توفَّرت في كيانٍ ما، كان أقربَ للعدلِ والقِسط، الذي هو هدفُ الرسالةِ الإلهية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ 
[الحديد: 25]. وكان على رأس تلك المبادئ مبدأ الشورى، وهو التمظهُر السياسيُّ للعدل، أو القسط، الذي إنْ تمَّ الالتزامُ به، انتفى واستحال حكمُ التوريثِ الذي شرعنه السُّنيون والشيعة، ولا يعود هناك مجالٌ لاغتصاب السلطة أو احتكارها، إنْ كان الأمرُ شورى بين المسلمين. (وكلمةُ "المسلمين" هنا، شاملةٌ لكل مَن وُجِد في ذلك الكيان السياسي، مسالمًا، وراضيًا بمبادئِ حكمِ الإسلام، التي من أهمِّها العدل، وتمظهُره السياسي، الذي لا يتحقَّق إلا بالشورى القرآنية).

وبذلك، كان هذا المبدأ أصلًا من أصول الإيمان لدى الجماعة المسلمة، ووصفًا لا ينفكُّ عنها، مرتبطًا بها، إلى درجة أن غيابَه عنها يُفقدها وصفَ الإيمان، وذلك كما جاء في قوله تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى: 38). وهذا أبلغُ وألزمُ وأشدُّ تأكيدًا من لو جاءت الآية بصيغة الأمر، على أن الأمر قد ورد كذلك في قوله: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ". وإذا كان النبيُّ مأمورًا بالشورى، ومحتاجًا لها، فكلُّ مَن سواه أولى بالالتزامِ بها، وأشدُّ احتياجًا لها.

وهذا الأسلوب البديع، المعجز في الصياغة القرآنية، يُشبه قوله تعالى: {الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} [البقرة: 1-5]. فالمتَّقون موصوفون بصفاتٍ لازمة، لا يُمكن انفكاكها عنهم، فمَن لم يتصف بهذه الصِّفات، كان - بنصِّ الآية - من غيرِ المُتَّقين.

وكذلك جاء نفسُ أسلوبِ "الوصفِ اللازمِ" في قولِه تعالى: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38)} [الشورى: 36-38]. فالوصفُ هنا لازمٌ، لا ينفكُّ عن الإيمان. بمعنى أن المؤمنين المتوكّلين على ربّهم، هم بالضرورة ولزامًا من الذين استجابوا لربّهم، وأقاموا الصلاة (إقامةُ الصلاة أشمل من أداء شعيرة الصلاة)، وأمرُهم (مطلق الأمر) شورى بينهم (كلّهم، نساءً ورجالًا)، وينفقون ممّا رزقهم الله تعالى… إلى آخر الصفات… إذاً، الشورى ملزمة، وليست مجرَّد "معلمة"، كما قال علماءُ السلاطين، ولا "توجيهًا" قد لا يحمل الإلزام، أو مجرَّد مدحٍ لجماعة المؤمنين، بل هي وصفٌ لازمٌ لهم. ولا يعودُ لتسميتِهم بالمؤمنين داعٍ ولا معنى إن هم كَفروا بالشورى أو حرَّفوها وفرَّغوها من مضمونها. 

وعندما نقول: هي أصلٌ من أصول الإيمان، ووصفٌ لازمٌ للمؤمنين، فهذا باعتبارِ الشورى مبدأً عامًّا، يستوعبُ في داخله مختلفَ الاجتهاداتِ والآليّاتِ للحُكم عبرَ مختلفِ العصور، حتى قيامِ الساعة، على ألّا يكون الاجتهادُ معارضًا للإطارِ نفسه، الذي هو الشورى.

كمَن يُنادي - على سبيل المثال - بـ"الملكيّةِ الدستوريّة"، باعتبارِها تُحقّق جزءًا من التشاورِ في الأمر، وهم يقصدون الشورى (والتشاورُ غيرُ الشورى). نقول: هذا باطل، ولا يمكن بحالٍ أن تجتمع الشورى والتوريث في آنٍ واحدٍ معًا، فالشورى والتوريث ضدّان، محالٌ أن يجتمعا. وإذا كان - كما يقولون - الملكُ في الملكياتِ الدستوريّةِ "يَملكُ ولا يَحكم"، فنقول لهم:

لماذا إذًا يُبقى فوق رؤوسِ الناس، هو وعائلتُه ونسلُه؟! ولَه تُخصّص المخصّصاتُ، وتُجمَع الامتيازاتُ، والمزايا الاقتصاديّة، التي لا ينالُها أكثرُ أفرادِ المجتمعِ تميّزًا وذكاءً وجهدًا وسعيًا وحظًا؟ أليس هذا هو الفساد بعينه؟ والله لا يحب الفساد.. ومَن يجرؤ على مساءلتِه أو محاسبتِه، هو ومَن تبعه من نسلِه؟! وكلُّ الملوكِ فوق المساءلة، وهذا تعدٍّ على ما اختصَّ اللهُ به نفسَه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. 

هذا وهمٌ كبيرٌ، أن يقول قائلٌ بإمكانيّةِ أن تجتمعَ الشورى والتوريث في مكانٍ أو زمانٍ ما. والإسلامُ جاء ليجعلَ الناس سواسية. فأين ذلك؟! وفي المجتمعِ طبقةٌ فوقَ كلِّ الناس، تُسمّى "العائلة المالكة"؟! ثم تُخفّف وطأةَ فُحشِ هذه الكلمة، فيقولون: "تَملِكُ ولا تحكم"!! كيف ذلك؟! هل يصحُّ عقلًا ومنطقًا أن تمتلكَ ما لا تتحكَّم فيه؟! أو تتحكَّمَ بما لا تملكه؟! كيف إذًا "تملكُ ولا تَحكم"؟! ألا يَحكمُ مَن يَملك؟! ألا يَحكم مَن هو طبقةٌ مميّزةٌ فوقَ الناس، له كلُّ الامتيازات؟! والنفوذُ، والمليارات، والصحف، والقنوات؟! فأين العدل؟! وأين المساواة؟! 

يا عباد الله: لا يُخدعنّكم الذين يُروّجون للملكيّاتِ وشَتّى الوراثيّات، بقولِهم: "للشعب بعضُ صوتٍ، وذلك أحسنُ من وضعٍ لا صوتَ لهم فيه". 

ونحن نقول لهم: إذاً، قولوا "نحن عبيدٌ، ولكن يُتفضَّل علينا ببعض الفُتات"، ولا تقولوا "تلك شُورى"!

لا تُنجِّسوا اللفظَ المجيد، بإلصاقِه بوراثياتِ العبيد، الكافرين بشورى القرآن، وشرعِه القويم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة