اختراق السقف السياسي والثقافي: نحو وعيٍ ثوري ينهض بشعب الجزيرة


لم أعد أتعجّب من جرأة، بل قُلْ: صفاقة ووقاحةِ «المُسعوَدين» عندما يقولون: (آل سعود سيبقون إلى يوم القيامة). ليس فقط لأني مؤمنٌ بأنهم مُشركون بالله، يتّخذون آل سعود آلهةً معه سبحانه وتعالى، لا تُسأل عما تفعل، وكافرون بسُننه الحتميّة؛ فالتغييرُ سُنّةٌ من سُنن الله، والهلاكُ قانونٌ ربّانيٌّ يخضع له كلُّ مخلوق: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، ولكن لأنهم أيضًا طُفوليّون في تفكيرهم، سطحيّون، تافهون، وكأنهم استثناءٌ من الشعوب؛ محالٌ أن يجرفهم تيارُ التغيير القادم لا محالة، وقد بدأت إرهاصاته. أو أنَّ آل سعود غير باقي الطواغيت عبر التاريخ؛ زوالهم مستحيل، أو أنَّ كيانهم هذا مختلفٌ عن كياناتِ الغصبِ والتوريث التي كانت أقوى وأطول عمرًا وفي لحظةٍ ما انهارت وتفككت وزالت واندثرت إلى غير رجعة. يُحاربون كلَّ صوتٍ حرٍّ يصدع بقولِ الحقيقة، لا يخشى إلا الله وحده.

ماذا هم يُريدون بالضبط؟ هذا سؤالٌ ينبغي علينا طرحُه، وعليهم هم الإجابةُ عليه. وإذا كنّا نحن قد أجبنا على هذا السؤال في كتابنا (نحو دولة مدنية شورية جمهورية اتحادية في ⁧جزيرة العرب⁩؛ رؤية للإصلاح والتغيير السياسي في ضوء المبادئ الإسلامية)، وأجملنا أسباب معارضتنا لآل سعود وكيانهم السياسي، فإنّ «المُسعوَدين» مدعوون لأن يدلوا هم بإجابتهم على السؤال نفسه: ماذا تريدون بالضبط؟ والإجابة غالبًا لن تخرج عن كونهم راضين بواقعهم التعيس؛ واقع السادة (آل سعود) والعبيد (المُسعوَدين).

ولكن، هل هذا هو رأيُ كلِّ شعبِنا في جزيرة العرب؟ مُحال.

حتى وإن كان عددُ «المُسعوَدين» غير قليل، فإنّ الأحرارَ موجودون، وهم في ازديادٍ مستمرٍّ، ومن الظلم أن نعمّم على كلّ شعبنا بأنهم عبيدٌ ساقطون سَفَلة؛ هذا حَيْفٌ غير مقبول. بل، هناك أحرارٌ، وإن كانوا صامتين الآن، ولكنهم موجودون. ونحن، دورُنا استنهاضُهم ودفعُهم إلى الأمام خطواتٍ بعيدة، والرقيُّ بسقفهم السياسيّ والثقافيّ، بل التخلّص من أيّ سقفٍ وأيّ حدٍّ أمام السعي لنهضةِ شعبنا وأمّتنا.

أي إننا لا نقبلُ مطلقًا أن يقول البعض: (نحن لسنا ضدّ الكيان السعوديّ من أساسه، وإنّما الإشكال متعلّق ببعض الرموز والشخصيات كابن سلمان ومَن معه، أو أنّ آل سعود غير مستحقّين للقتال والمقاومة، رغم كونهم غاصبين معتدين فاقدين لكلّ شرعيّة، يحكمون بغير ما أنزل الله، وقد قامت البراهين على ذلك؛ أي على عدم شرعيّتهم وعلى استحقاقهم للقتال، فهم معتدون، محتلّون، غاصبون، متغلّبون). فهذا تفكيرُ عبيدٍ، نحن لا نلتفت إليه ولا نوليه أيّ احترامٍ أو أهميّة، إذ إننا نعتبر كلَّ أميرٍ من آل سعود مساويًا لكلّ الأسرة. ذلك أنّه مستحيلٌ أصلًا أن تُميّز بين أميرٍ منهم وبين باقي الأسرة، إلا إن لم يعُد ذلك الأمير (العنصر) منهم أميرًا، وصاحبَ سموّ، وله ملايينُ المخصّصات بغير وجهِ حقٍّ من أموالِ شعبِنا المنهوبة.

فنحن لا نُغلق الباب أمام أحدٍ ابتُلي بأن وُلِدَ لأبٍ من آل سعود، مطلقًا (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)؛ وإنّما نقول إنّ ذلك الشخص منهم، وهو مساوٍ لكلّ الأسرة، حتى يُعلن توبته بحقٍّ، فيُعيد الثروات المنهوبة، ويُجَرَّد من صفة (أمير، صاحب سموّ)، ويُبدي استعداده للخضوع للمحاسبة الشعبيّة، حتى يتطهّر من كلّ هللةٍ أخذها بغير وجهِ حقّ، أو عقارٍ، أو سيارةٍ، أو أتفه وأقلّ شيءٍ، حتى الملابس التي يرتديها، وكلّ ما حصل عليه - فقط - لأنّه أميرٌ من هذه الأسرةِ الغاصبة البغيضة.

يعني، عندما يُصبح الفرد من آل سعود ليس منهم، ويُعلن براءته منهم، ويخضع للحساب الشعبيّ، فتُعاد الحقوقُ لأصحابها وخزينةِ الشعب، ويُرجع هو لما قبل أن يُولد؛ ولكنّه، كذلك، قد يكون متورّطًا في الدماء، وهذه لا مفرَّ من عقوبة الإعدام عليها، أو الاعتداء على الأعراض، أو الاستعباد، وهذه كلّها ممارساتٌ تكاد تكون طبيعيّة داخل أسرة آل سعود. فعندما يمرّ بكلّ هذه المراحل من التطهّر والحساب العسير، ويُجَرّد من كلّ الألقاب والصفات الشركيّة الكفريّة، ويُسلم ويعود إنسانًا كغيره من أبناء وبنات الشعب؛ عند ذلك، نحن لا نرفضه، ونعدّه واحدًا من الناس، يُعامل كأيّ فردٍ من الشعب؛ لا يُعتدى عليه، وحقوقه الآدميّة محفوظة. وهذا هو عينُ العدل.

إذن، نحن مدعوون لأن نرتقي بسقف الناس سياسيًّا وثقافيًّا، بل أن نَخترقَ كلّ السقوف والحدود، ساعين نحو المساواة والحريّة والشورى والكرامة والعدالة؛ نحو الدولة المدنيّة الشوريّة الجمهوريّة الاتحاديّة (دولة الإسلام)، التي كلّ الناس فيها متساوون في الحقوق والواجبات وأمام القانون؛ لا سادةَ ولا عبيد، وإنّما مسلمون أحرار، انتماؤهم فقط للإسلام، بما هو أرقى وأسمى وأجلّ وأعظم إطارٍ للقيم، التي لا يقوم مجتمعٌ إنسانيٌّ في الوجود بدونها، ولا حياةَ إنسانيّة تُوجد بغير وجودها.

ذلك أنّنا نعتبر أنّ الانتماء الوحيد في الدولة المدنيّة الشوريّة الاتحاديّة في جزيرة العرب، أو الجمهوريّة الإسلاميّة في جزيرة العرب، هو للإسلام وقِيَمه وتعاليمه ومبادئه وحسب. ذلك هو الانتماء الوحيد، الذي يُعطي الإنسانَ هويّته الإنسانيّة العالميّة الأُمَميّة. وأمّا غير ذلك من هويّاتٍ قطريّةٍ (أَيًّا كانت) وغيرها، فلا يُلتفت إليها؛ فالإسلام جاء ليصهرَ كلّ الاختلافات والهويّات ويهذّبها في بوتقة الإسلام (الهوية الإنسانية الجامعة)، ولا ليُلغيَها طبعًا، وإنما جعلها وسيلةً فقط للتعارف، الذي يؤدّي بدوره كما يُفترض إلى التعايش، والتعاون، والترقّي. وتلك من آيات الله.

ولنحذر من دعوات «المُسعوَدين» في المعارضة (أي: المعارضة المسعودة، التي لم تتحرّر من أسر العبوديّة وهوية المحتلّ الغاصب بعد)، التي لا تكفّ عن أن تنحطَّ بوعي الناس وهممهم وطموحاتهم إلى الحدّ الذي يجعلهم غير مميّزين بين الحقّ والباطل، فيُلبِسون على الناس، ويخلطون حقًّا بباطلٍ، ليجعلوهم خاضعين خانعين لهذا الكيان السعوديّ الغاصب، يُخوّفونهم من المستقبل، وأن لا حياة بغير آل سعود، حتى يجعلوهم آلهةً تُعبد من دون الله!

حيث يبدو، لمن يطّلع على آراء هذه «المعارضة المسعودة»، أنّها لا تريد في نهاية المطاف غير المحافظة على آل سعود لأطولِ فترةٍ زمنيّةٍ ممكنة. ولا أدلّ على ذلك من واقعهم الحاليّ المُقزّز، ففي كلّ مرّة يغضب فيها الشعب، فيرتقي بطموحاته، ويرتفع سقف مطالبه، تجدهم يسعون جاهدين لتثبيطه، وامتصاص غضبه، وإخماد أيّ روحٍ ثوريّةٍ متحرّرةٍ فيه.

فمثلًا، يتحمّس الناس فيقولون: (الموت لآل سعود، والشعب يُريد إسقاطهم كلّهم)، فلا نجدهم إلا يُردّدون: (ابن سلمان هو المشكلة فقط، ونريد أحمد بن عبد العزيز ملكًا، وبن نايف وليًّا للعهد…الخ). فيُصعق الناس من ذلك، ويُحبطون؛ فإذا كانت هذه هي من يُسمّى بـ"المعارضة"، فكيف يا تُرى السبيل إلى التغيير؟! غير أنّنا نؤكّد أنّ هذه هي المعارضة المسعودة، وليست المعارضة الحرّة، التي كفرت بآل سعود وكيانهم الغاصب بكامله.

وهذا ما نحن نحاول أن نُبيّنه، رغم سيطرة "المعارضة المسعودة" على المشهد الإعلاميّ، نظرًا لقدرتهم الماليّة التي تمكّنهم من الانتشار بشكلٍ أكبر على وسائل التواصل وفي الصحف؛ فهم قابلون للشراء، ومَن يدفع لهم يُوجّههم حيثما أراد. ونحن، لأننا لسنا كذلك، لا نزال نحارب أملاً أن يصل صوتنا إلى جماهير شعبنا، ومؤمنون بأن ذلك سيحدث بعونه تعالى وإن طال الأمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة