التغيير الذي نريد: جذري، شامل، ومنهجي!


كيف السبيل إلى التغيير؟ هذا سائلٌ يسأل، محاولًا إيجادَ الإجابة، إجابةً شافية… وهو قطعًا سؤالٌ غايةٌ في الأهمية، وقد كنا نتمنّى أن يكون السعي للإجابة عليه هو الهمَّ الذي يُحرّك كل العاملين والساعين للتغيير الشامل في جزيرة العرب. السؤالُ كبير، وجوابهُ المفصّل بحاجةٍ إلى بسطٍ في صفحاتٍ كثيرة، غير أنّنا هنا سنحاول أن نسلّط بعض الضوء على بعض الجوانب المهمّة التي سترشدنا إلى سبيل التغيير، أو لنقل: تُمهد طريق التغيير أمامنا.

أولًا: ما التغيير الذي نتحدث عنه؟ هذا أول ما ينبغي الإجابة عليه، إذ إنّ مفردة «التغيير» عندما نطلقها هكذا بلا تضمين أو تعريف، تكون قابلةً لوجهي التغيير: السلبي والإيجابي. ونحن - بطبيعة الحال - همُّنا هو التغيير الإيجابي، أي: إنّ الواقع الحالي سلبي، ونريد أن ننتقل منه إلى وضعٍ إيجابي، لذلك نحتاج إلى معرفة ماهيّة ذلك التغيير المرجوّ، والذي نسعى إلى تحقيقه بكل الطرق المشروعة الممكنة (نعني بالمشروعة: أي التي لا تتعارض مع حدود الله أو تقع في محرّماته).

والتغيير يحمل في جوهره دلالةً جذريّة، ومعنى الكلمة العام هو التحوّل من حالٍ إلى حال، أو من صورةٍ إلى أخرى، أو من وضعٍ إلى وضعٍ مختلف، وهي تشمل معنى الاستبدال؛ كاستبدال وضعٍ بآخر، أو نظامٍ بغيره، وهكذا.

ولما كان هذا معنى الكلمة ومشتملاتها، قادنا ذلك إلى أن الحديث هنا ليس عن ما اصطلح عليه بـ«الإصلاح» (رغم أنّ اصطلاحهم هذا خاطئ)، فالإصلاح يشمل التغيير، والتغيير نحو الأحسن والأصلح هو إصلاح كذلك (نعني بـ«نحو الأحسن والأصلح»: أي نحو العدالة، الشورى، الحرية، المساواة، أي - باختصار - الحكم بشرع الله، الذي هو صالحٌ لعموم الإنسان في كل زمانٍ ومكان، والذي لا ينتج عنه غير الإحسان والإتقان والتكريم لبني الإنسان، والازدهار والنماء والنهضة على كل الأصعدة ومختلف المجالات).

إذًا، التغيير نحو الأحسن والأصلح هو إصلاح، والإصلاح يشمل التغيير نحو الأحسن والأصلح. إلا أنّ دعاة ترقيع الواقع صوّروا «الإصلاح» على غير معناه، فنجدهم يركّزون دومًا على السطح، والوجوه، والرموز، وما شابه ذلك ممّا لا يغوص إلى جذور المشكلات والأزمات. 

على أيّ حال؛ التغيير الذي نعنيه هو غوصٌ في أعماق واقعنا وأنفسنا، هو سعيٌ نحو اكتشاف جذور المشكلات وعلاجها. والعلاج لا يمكن أن يتم بالتغاضي وتجاهل حقيقة المرض، أي: العلاج بطبيعته ينبغي أن يكون جذريًا لا تسكينيًا أو تخديريًا؛ لأنّه حينئذٍ لا يعود اسمه «علاج»، وإنما "مسكّنٌ" للمرض، وعجزٌ عن مواجهته.

إذًا؛ فالتغيير يجب أن يكون نحو الأحسن والأصلح دائمًا وباستمرار، وأن يكون جذريًا؛ أي: تغيير الحال بكامله ممّا هو عليه إلى حالٍ أحسن، وأن يكون ذلك التغيير دائمًا ومستمرًا. 

هنا تبدأ ماهيّة التغيير الذي نعنيه تتّضح أكثر فأكثر. ثمّ إنّ هذا التغيير شاملٌ، متعدّدُ الأبعاد والمجالات؛ فلا يترك مجالًا لا يشمله، ولا بُعدًا في الواقع إلا ويطرقه. وعليه، يكون مقصودُنا بالتغيير غير ذي حدودٍ في الواقع، أي بمعنى أنّه يشمل الواقع بكامله، والمجتمع بتنوّعه، والفرد على صعيد شخصيّته، ونفسيّته، وهويّته، وفكره، ونظرته للحياة والمعاد، والكون من حوله، وتعامله مع أخيه الإنسان بشكلٍ عام…

والواقع السياسي مع، وقبل، وبعد ذلك كلّه؛ إذ إنّه هو انعكاسٌ لتغيير بنية المجتمع، والمجتمع انعكاسٌ لشكل الحكم والنظام السياسي في بلدٍ ما، وهي - إن صحّ التعبير - علاقةٌ جدليّة، كلّ جانبٍ فيها يؤثّر في الآخر سلبًا أو إيجابًا؛ فكما تكونوا يُولّى عليكم.

ولكن، أيضًا، شكل النظام السياسي ينعكس على شكل العلاقات في المجتمع، وعلى بنيته بكامله، وحتى أخلاقه، ونفسيّته، وتعامله مع نفسه وغيره… أي: ليس التأثير من جانبٍ واحدٍ في هذه العلاقة، وإنما كلا الجانبين فاعلان ومفعولان، يؤثّران في بعضهما، ويتأثّران ببعضهما. وتغيير أحدهما سينعكس - لا محالة - على الآخر، غير أنّ الاختلاف كان دومًا بين حاملي همّ التغيير هو: أيّ الطرفين نبدأ به؟

أي: هل نبدأ بالمجتمع، أم بالنظام الحاكم أو السلطة؟

غير أنّي أنا لا أرى الأمر كذلك، فالتغيير بطبيعته لا يستثني طرفًا، ولا يُقدّم طرفًا على الآخر. أي بمعنى: التغيير شامل، وينبغي ألّا يكون إلا كذلك؛ أي: شاملًا، مستوعبًا كل المستويات والمجالات والأطراف. وعليه، فلا تكون حينها محتارًا: أي طرفٍ يجب تغييره أولًا؟ هذا غير صواب. وإنّما التغيير يعني العمل على كلّ الجهات، فيكون همّ المصلح وداعية التغيير منصبًا على كل جوانب الواقع. وهذا يجعله - بالضرورة، أو هو يستلزم منه - أن يكون شموليًّا في تفكيره، مستوعبًا للواقع ومتغيّراته، واعيًا بأهمّية كلّ جانب، وكلّ طرف، في عمليّة التغيير…

إذًا؛ قرّرنا أن التغيير هو: إيجابي، أي ما يقود نحو الأحسن، وهو جذري، وشامل، ومستوعب للواقع، ولا يُغفل طرفًا على حساب الآخر، ولا يُقدّم أحدهما على الآخر، ولا يستثني جانبًا من جوانب الواقع، التي لا يُكتب للتغيير إنجازٌ دونها…

هذه إذن هي ماهيّة التغيير الذي نعنيه، وقلنا: هذا كلّه مشمول - بطبيعة الحال - في مفهوم «الإصلاح الحقيقي»، أي: ما يقود بالمجتمع والأمّة نحو الأحسن والأفضل والأصلح والأرقى في كل جوانب حياتها المختلفة والمتعدّدة، ويقرّبها أكثر فأكثر من مقاصد الشرع وقيمه. فإذا نحن فهمنا هذا المعنى المقصود للتغيير، سهل بعد ذلك التعرّف إلى السبيل المؤدّية إليه.

أي: إنّه إذا كنّا اتّفقنا على أن التغيير - أوّلًا - ضرورة، وأنّه شامل، جذري، مستوعب لكلّ جوانب الواقع، عند ذلك سنبدأ بالبحث عن المنهج الذي يكون قادرًا على التعامل مع الواقع بكلّ جوانبه وتفاصيله وأبعاده. ونحن نؤمن بأنّ المنهج الوحيد القادر على اشتمال الواقع بكلّ أبعاده ومجالاته، والإنسان بمختلف أمزجته وتقلباته، وأسرار نفسه وسلوكه، هو المنهج الإسلامي، المنطلق - أوّلًا وأساسًا - من كتاب ربّ العالمين، الذي هو هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ، والذي هو هدى ورحمة لقوم يؤمنون… 

وهذا هو الطريق الصحيح القويم للتغيير الذي نعنيه ونأمل؛ تغيير يُعيد لكتاب الله مكانته في القلوب والواقع، تغيير يتأسّى بهدي النبي الخاتم صلوات ربي عليه وسلامه وتبريكاته، تغيير أساسه المساواة والكرامة والعدل والإحسان لكل بني البشر، تغيير جوهره الحريّة والشورى في الأمر (مطلق الأمر)، تغيير لا يُهادن مستبدًا، ولا ظالمًا، ولا محتلًا، ولا معتديًا، ولا غاصبًا، تغيير لا يُبقي احتكارًا للملك العام من سلطانٍ وثرواتٍ ومال، تغيير يُحارب الربا والفقر (والتفقير)، والبطالة (والتعطيل)، والجوع (والتجويع)، والفساد (والإفساد)، ويَنهض بالإنسان المسلم، ويَردّ له كرامته، وحريته، واستقلاله، وهويّته التي انتُزعت منه؛ هويّة الإسلام، الإطار القيميّ والأخلاقيّ والتشريعيّ الأعظم في هذا الوجود بأكمله… فهل يعرف الإنسان، وما يصلح للإنسان، غير أو أفضل من خالق الإنسان؟؟

إذًا؛ هذا هو سبيلنا وطريقنا للتغيير الذي نسعى إليه: كتاب الله وأوامره وتعاليمه ومنهجه، وأسوتنا محمدٌ الخاتميُّ صلوات الله وسلامه عليه. هذا منهجُنا، وكلُّ المؤمنين، قبل التغيير، وأثناء السعي للتغيير، وبعد تحقّق التغيير، وإلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها…

فإذا كان الأمر كذلك، أي: إذا كان التغيير الذي نعنيه شاملًا، وجذريًا، وإيجابيًا، ومستوعبًا للواقع والإنسان بكلّ أبعادهما، وإذا كان السبيل إلى ذلك التغيير هو المنهج القويم، أي: كتاب الله، ثم تأسّينا بنبيّه الخاتم، الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض، وإذا كان ذلك المنهج هو سلاحنا ووسيلتنا وغايتنا، أي: هو قبل التغيير وأثناءه وبعده، وإلى أن نلقى المولى جلّ جلاله…

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ هذا المنهج الإسلاميّ القرآنيّ المحمديّ يَحتم علينا الجرأة في الصدع بالحقّ، ومواجهة المستبدّين والمفسدين وكلّ الظالمين، وهو يَحتم علينا ألّا نقبل بأيّ شكلٍ للتغيير الذي نسعى إليه، يكون فيه ما يُخالف أو يُعارض أو لا يتّفق مع شرع الله وتعاليمه وأوامره في كتابه العزيز.

وهنا لا يفوتنا أن نشير إلى أنّ أيّ نظامٍ وراثيّ (ملكيّ، سلطانيّ، أميريّ، إمبراطوريّ، سمه ما شئت) يتوارث البلادَ والعباد، هو قطعًا غير شرعيّ، أي: غير إسلاميّ، أي: إنّه باطل، ولو كان دستوريًا، فالدستور لا يجعل الباطل حقًّا.

أي: حتى وإن أقرّ ورضي الناسُ بنظام حكمٍ وراثيٍّ يُبقي على أسرةٍ ما فوقهم (أسرة ملكيّة)، فإنّ ذلك ممّا لا يُقرّه الإسلام البتّة، وقد كان لنا بحثٌ مطوّل في هذا الموضوع، في كتابنا المنشور: «مفهوم المُلك في القرآن؛ بين التمكين المشروط المؤقّت، والتمليك المطلق الدائم».

لذلك، على من يدّعون حمل همّ الإصلاح والتغيير أن ينتهوا عن ترويجهم لما يُسمّى بـ"الملكية الدستورية" في جزيرة العرب، باعتبارها خطوةً في طريق الإصلاح التدريجي؛ فهذا ضحكٌ على الذقون، ولا علاقة لذلك بالتدرّج في الإصلاح. فالقضية إمّا حقٌّ أو باطل، أي: إمّا أن يكون الأمر شورى بين الناس، أو يكون وراثةً في فئةٍ أو أسرةٍ من الناس. لا تدرّج ولا توسط بين هذين الأمرين: شورى أو توريث، مساواة بين الناس أو إبقاءٌ لفئةٍ ما فوق بقية الناس. 

إنّ التغيير الذي نسعى إليه، والمنهج الذي نسير عليه، ليَحتم علينا رفضَ كلّ الوراثيّات، ورفض كلّ احتكارٍ للملك العام من مالٍ وسلطان، ورفض الربا والاستغلال، والاعتداء على عيش الناس وحقوقهم وحرياتهم وكرامتهم، ورفض كلّ تشريعٍ لمحرمٍ في كتاب الله، أو التنكّر لأحكامه وتشريعاته…

هذه محاولةٌ لتسليط الضوء على ما ينبغي تسليط الضوء عليه، لنُمهد بذلك السبيل الحقيقي للتغيير الحقيقي، الذي يُخرج جيلًا مسلمًا، حرًّا، واعيًا، جديرًا بحمل مسؤوليّة النهضة الإسلاميّة القادمة، واستئناف مسيرة (العدل الإسلامي)، الذي ابتدأه النبيُّ الخاتم الرحمة، والذي العالم بأسره في أمسّ الحاجة إليه في هذا العصر، وكلِّ عصر…

تعليقات

المشاركات الشائعة