نحوَ مشروعٍ إسلاميٍّ جامعٍ: جزيرةُ العربِ مُنطلَقًا

 

سؤال وردني: لماذا تركزون على جزيرة العرب دونًا عن سائر الأقطار الإسلامية في خطابكم، وخصوصًا في كتابكم: «نحو دولة مدنية شورية جمهورية اتحادية في جزيرة العرب»؟
نجيب بعون الله على هذا السؤال بالتالي:

في الحقيقة، فإن خطابنا ليس محصورًا بجزيرة العرب، بل هو في جوهره خطاب إسلامي عالمي، يتجاوز الحدود الجغرافية المصطنعة، وينطلق من العقيدة الإسلامية الجامعة. إلا أن التركيز على جزيرة العرب له أسبابه المنطقية والاستراتيجية، ونجملها فيما يلي:

أولًا: خطورة الكيان السعودي ومركزيته في المشروع الغربي
نرى أن الكيان السعودي (الذي يحتل المساحة الأكبر من جزيرة العرب) يمثل تهديدًا خطيرًا للأمة الإسلامية جمعاء، لعدة أسباب:
1- احتلاله للحرمين الشريفين، ما يمنحه سلطة رمزية وروحية على الأمة.
2- سيطرته على ثروات نفطية هائلة تُستخدم لخدمة مشاريع التغريب والتفتيت والإفساد، وقمع أي تيار إسلامي وثوري.
3- نشره وتبنيه لعقيدة تُفرغ الإسلام من محتواه، وتمسخ صورته، وتحتكر تمثيله، وتبرر الطغيان وتدافع عنه.
4- استبداله الهوية الإسلامية الجامعة بـ"الهوية القطرية السعودية"، ومحاولته ترسيخ مفهوم "الوطنية" (التي هي وثنية جديدة)، واقتلاع مفهوم الانتماء على أساس رابطة الإسلام.
5- علاقاته الوثيقة بالقوى الغربية التي أسسته ورعته منذ اليوم الأول (كالبريطانيين بداية، ثم الأمريكيين)، تجعله أداة (ومن أخطر الأدوات وأقذرها وأقدرها) لتنفيذ السياسات الاستعمارية في العالم الإسلامي.
وما تصريح ترامب، الذي قال فيه: "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة"، إلا دليل —فوق الأدلة— يؤكد حقيقة الدور الوظيفي لهذا الكيان في تثبيت الكيان الصهيوني وخنق كل قضايا الأمة.

ثانيًا: التركيز كمنطلق لا كغاية
نؤمن أن جزيرة العرب، وبالذات الحجاز، تمثل نقطة الانطلاق الطبيعية لتحرك إسلامي ثوري تغييري جامع وشامل:
1- منها انطلقت الرسالة الخاتمة، وفيها قبلة المسلمين.
2- بتحررها يمكن تأسيس نواة كيان سياسي إسلامي قادر على مخاطبة الأمة كلها، وجمع شملها وكلمتها.
3- المشروع لا يهدف إلى "حكم أو كيان قطري"، بل يسعى إلى إقامة اتحاد إسلامي واسع، يكون على شكلٍ فيدرالي أو كونفدرالي، أو يجمع بين الصيغتين، أو يتخذ صيغًا مبتكرة أخرى تُعيد توحيد كلمة المسلمين، وتنهي التقسيمات الاستعمارية التي فتّتت الأمة ودمّرتها.
وقد يكون ذلك تحت مظلة هيئة عليا منتخبة من جميع الدول الإسلامية، تمثل الاتحاد الإسلامي، مع مراعاة الخصوصيات والتنوع في كل بلد ومنطقة؛ إذ لا يُشترط أن تكون هناك دولة واحدة، أو ولاية واحدة، بل يُجيز النموذج الإسلامي قيام أكثر من دولة أو ولاية، مع الحفاظ على وحدة الانتماء والمرجعية.
فنموذج الإسلام، في هذا السياق، يميل إلى اللامركزية؛ بما يتيح توسيع نطاق تطبيق الشورى ليشمل جميع المستويات والمناطق وسائر فئات الأمة، ويضمن احترام التنوّع، ومراعاة اختلاف البيئات واحتياجاتها، ضمن مرجعية إسلامية عليا موحّدة؛ إذ إن هذه المرجعية — الإسلامية، المتمثلة في النص القطعي (الوحي) — تمثل الحاكمية العليا، في نهاية المطاف، في جميع تلك الدول والولايات. 
ويعني هذا الاتحاد أيضًا الاتفاق على الأسس والسياسات العامة، بحيث تكون حربهم واحدة، وسلمهم واحدًا، واقتصادهم موحّدًا. كما يُعامل كل فرد من رعايا تلك الدول في أي منها كما يُعامل في دولته التي وُلد ونشأ فيها؛ فالانتماء واحد، والهوية واحدة، و"المواطنة" — في هذا الإطار — تقوم فقط على أساس الإسلام.
ثالثًا: الانطلاق من الأقربين، وضرورة التدرج
نحن من هذه الأرض، وأهلنا وقومنا الأقربون فيها. والانطلاق من واقعنا القريب أمر طبيعي وضروري، كما أمر الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، في بداية الأمر.
لا يمكن أن نخاطب الأمة جمعاء، ونحن عاجزون عن مخاطبة أهلنا والوصول إليهم، أو لم نبدأ بهم.
التدرج ضرورة عملية، لكنه لا يعني انغلاقًا أو رسم حدود معيّنة. خطابنا موجه بطبيعته إلى الأمة كلها، وليس من الضروري أن يستجيب الأقربون أولًا، فقد لا يستجيب معظمهم. ومع ذلك، لا يمنع أن نبدأ بهم ضمن خطابنا الأوسع الذي يشمل الأمة كلها.


حول مفهوم "الوطن" و"الوطنية":
من المسائل التي يجب الوقوف عندها، هي مسألة "الوطن" و"الوطنية". ما موقفنا من هذين المفهومين؟ وكيف نفهمهما في ضوء التصور الإسلامي الأصيل؟
بداية، لا يرد في القرآن الكريم مصطلح "الوطن" أو "الوطنية" بصيغتهما الحديثة، لأن هذه المفاهيم نشأت في سياق تشكل الدولة القطرية الحديثة (National State)، واستُخدمت لترسيخ الحدود السياسية المصطنعة، وخلق وتكريس انتماءات قومية أو ترابية جغرافية، تعطيها الأولوية على كل انتماء آخر إلى درجة التعصب والعنصرية. وهي مفاهيم لا تنتمي إلى التصور الإسلامي الأصيل، الذي يربط الإنسان أولًا وقبل أي شيء بالعقيدة والقيم النابعة من مرجعية الوحي والمنضبطة به، لا بالجغرافيا أو القومية أو اللون أو غيرها.
ومع ذلك، نجد في القرآن ألفاظًا مثل: "الديار"، و"الأرض"، و"القرى"، و"البلد"… باعتبارها أمكنة نشأ فيها الإنسان أو عاش ويعيش فيها، دون أن تُقدس لذاتها (عدا بعض البقاع المقدسة التي نصّت عليها النصوص الشرعية، وهي محدودة جدًا، وليست أوطانًا بالمعنى الحديث، وإنما أماكن معينة أصغر من ذلك بكثير، وقداستها معينة من الله لا من البشر، ومع كل ذلك، فهذه الأماكن ليست مقدمة على العقيدة إذا ما تطلب حفظها الهجرة، كما هاجر سيد العالمين من مكة إلى المدينة في سبيل الرسالة الخاتمة).
لم يجعل القرآن من الانتماء المكاني رابطة عليا، بل ظل الميزان القرآني هو الإيمان والقيم النابعة من الوحي، والتي هي قيم إنسانية جامعة، وهي كذلك (أي إنسانية) لأنها إسلامية من لدن الخالق سبحانه.

العلاقة بين الإنسان والمكان:
- ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (القصص: 85).
نزلت والنبي ﷺ في طريق الهجرة، تعبيرًا عن شوقه إلى مكة. وفيها دلالة على الارتباط العاطفي بالمكان، ومع ذلك فهي لا تؤسس ولاءً شرعيًا فوق الولاء للإسلام، ولا تُقدَّم عليه.
- قول النبيِّ ﷺ عن مكة:
"واللهِ إنكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ". 
يُظهر الحنين الطبيعي للأرض، لا أكثر ولا أقل. والدليل على ذلك أنها، ورغم هذه المكانة لها لدى النبي ﷺ، لم تمنعه من تركها والهجرة في سبيل الدعوة ورفع كلمة الله. فهي إذًا لا تُقدَّم على الدين عندما يتعارضان. 
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).
الهجرة واجبة إن تعذر إقامة الدين بما هو مشروع حياة متكاملة (عقيدة، وشريعة، وشعائر، ومنظومة قيم وأخلاق متكاملة). ولا تُعطى الأرض حينها قيمة فوق الدين، وحرية الاختيار، وتقرير المصير.
- ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
الإخراج من الديار ظلمًا كان لأجل العقيدة، لا لصراع على التراب. والمستنكر هنا هو الظلم بذاته، إذ إن إخراج الإنسان من دياره بغير حق ظلم لا يرتضيه الله. فالتركيز في الآية على عملية الإخراج بسبب الإيمان، على أنها هي الظلم بذاته.  جاء في تفسير "في ظلال القرآن":
"{… الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ…}، وهي أصدقُ كلمةٍ أن تُقال، وأحقُّ كلمةٍ بأن تُقال. ومن أجلِ هذه الكلمةِ وحدَها كان إخراجُهم. فهو البغيُ المطلقُ الذي لا يستندُ إلى شُبهةٍ من ناحيةِ المعتدين. وهو التجرُّدُ من كلِّ هدفٍ شخصيٍّ من ناحيةِ المُعتدى عليهم، إنّما هي العقيدةُ وحدها، من أجلِها يُخرجون، لا الصراعُ على عَرَضٍ من أعراضِ هذه الأرض، التي تشتجرُ فيها الأطماعُ، وتتعارضُ فيها المصالحُ، وتختلفُ فيها الاتّجاهاتُ، وتتضاربُ فيها المنافعُ!".
- ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).
الاستخلاف مشروط بالإيمان والعمل الصالح، والأرض كلها ساحة للاستخلاف، وليس بقعة جغرافية محددة.
- ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ (الحج: 45).
الهلاك مصير القرى إذا خلت من العدل، فالقداسة لقيم الحق والعدل النابعة من الوحي الإلهي والمنضبطة به، لا للمكان والمتاع. 
- وفي قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة الأنفال: 72). 
يقول صاحب الظلال أيضًا:
"فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام، متجرِّدين من كلِّ ما يُمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ والذين آووهم ونصروهم، ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمُّعٍ حركيٍّ واحد، أولئك بعضهم أولياءُ بعض… والذين آمنوا ولم يهاجروا، ليس بينهم وبين المجتمع المسلم وِلايةٌ؛ لأنهم لم يتجرَّدوا بعدُ للعقيدة… فأمّا الهجرةُ التي يشير إليها النصُّ، ويجعلُها شرطًا لتلك الولاية – العامة والخاصة – فهي الهجرةُ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلام، لمن استطاع. فأما الذين يملكون الهجرة ولم يُهاجروا، استمساكًا بمصالحَ أو قراباتٍ مع المشركين، فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم وِلايةٌ، كما كان الشأن في جماعاتٍ من الأعراب أسلموا ولم يُهاجروا لمثل هذه الملابسات، وكذلك بعض أفرادٍ في مكّة من القادرين على الهجرة… وهؤلاء وأولئك، أوجب اللهُ على المسلمين نَصْرهم – إنِ استنصروهم في الدِّين خاصة – على شرطِ ألّا يكون الاعتداءُ عليهم من قومٍ بينَهم وبينَ المجتمعِ المسلمِ عهدٌ؛ لأنَّ عُهودَ المجتمعِ المسلمِ وخطّتَه الحركيّة أولى بالرِّعاية".
فإذًا، لا تمجيد في القرآن للأرض المجرّدة أو "الوطن" كمفهوم سياسي حديث. والحب الفطري للأرض والديار مقبول ولا نعيبه، لكن الانتماء الإسلامي (العقدي والقيمي) مقدم عليه ويعلوه.
والأرض ليست غاية، بل وسيلة لإقامة الدين. والمقولة المنسوبة إلى النبي ﷺ: "حب الوطن من الإيمان"، لا أصل لها، وهي من المقولات القومية الحديثة. والمسلم يُعرَّف -أولاً وقبل أي شيء آخر- بانتمائه الإيماني الإسلامي، لا الجغرافي أو القومي.
***

استطراد
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿…وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 72).
تبرز هذه الآية بنية دقيقة في تصنيف المؤمنين، وفق مواقفهم العملية من الهجرة والجهاد في سبيل نصرة رسالة الإسلام، وذلك على النحو الآتي:
- فِئَةٌ سَبَقَتْ إلى الإيمان، وهاجرت، وجاهدت بأموالِها وأنفُسِها؛
- وفئةٌ آوَتْ ونَصَرَتْ؛
-  وثالثة آمنت ولكن لم تهاجر، رغم قدرتها على ذلك، فآثرت البقاء في ديار الكفر، خاضعة لسلطان المشركين، مع تخلٍّ ظاهر عن الالتحاق بالجماعة المسلمة.
وقد نفى النص عن هذه الفئة الأخيرة الولاية السياسية، في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا﴾، مع الإبقاء على الولاية العقدية، ما دام إيمانهم قائمًا.
ومن هنا جاءت مشروعية نصرتهم إذا استنصروا في الدين، أي في حال تعرضهم لاضطهاد ديني، لا من أجل مطامع دنيوية.
لكن هذه المشروعية مشروطة بألا يكون بين المسلمين والطرف المعادي ميثاق؛ فإن وجد ميثاق، وجب الوفاء به، باعتباره مقدمًا على تلبية طلب النصرة لفئة لم تهاجر مع قدرتها، في مراعاة دقيقة للالتزامات السياسية والأخلاقية التي تقرّها الشريعة.
وهنا تتجلى أولوية الالتزام بالعهد والميثاق، باعتباره قيمة أخلاقية وسياسية عليا في الإسلام، تُقدَّم على نصرة فئة لم تلتزم أصلًا بالانضمام إلى جسد الأمة، وتخلّت عن واجب الهجرة والجهاد، ورضيت بالعيش تحت سلطان غير إسلامي.
وهذا الحكم يختلف عن حال المستضعفين الحقيقيين الذين لا يملكون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا، والذين ورد ذكرهم في قوله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75)،
وقولِه:
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 98)،
بعد قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97). 
فهؤلاء — "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا"— لم يتخلفوا عن الهجرة اختيارًا، بل لا حيلة لهم، غُلبوا على أمرهم، ولذلك لا يسقط عنهم حق النصرة، بل تجب نصرتهم؛ لأن هذا الظلم (الاستضعاف)، في حد ذاته، يُعد ناقضًا لأي ميثاق وكل عهد، ويحتّم حينها إعادة ترتيب الأولويات، على نحو يُقدَّم فيه حفظ الدين وكرامة وحياة الإنسان على مقتضيات التعاقد السياسيّ.
***

لماذا ننطلق من جزيرة العرب؟
لأننا نرى أن تحرير الأمة وجمع كلمتها يبدأ بتحرير قبلة المسلمين وفكها من أسر الغاصبين المحرفين والمشوّهين لدين رب العالمين، للانطلاق نحو مشروع إسلامي جامع وشامل.
نحن نرى أن الرابطة التي تجمع المسلم بغيره من المسلمين، بل وببقية البشر، بل وحتى بالمخلوقات والوجود كله، ليست رابطة ترابية ولا عرقية ولا قومية، بل هي رابطة قائمة على القيم والتشريعات المنبثقة من الوحي الإلهي. فالمسلم لا يتحدد بانتماء جغرافي أو قومي — ولا ينبغي له أن يحبس في هكذا انتماء — بل بانتمائه الإيماني إلى منظومة من القيم العليا النابعة من مرجعية الوحي وعقيدة التوحيد (لا إله إلا الله)، التي هي أساس الرابطة الإسلامية: الحرية، والعدل (القسط)، والكرامة، والمساواة، والإحسان…
الرابطة الإسلامية هي رابطة مجردة، غير مرتبطة بأرض أو حدود أو جنسية أو لغة، بل هي رابطة روحية قيمية عالمية. وهي فوق ذلك اختيارية، تقوم على حرية الإنسان أساسًا:  
- "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"،
- "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".  
لهذا، فإن الحرية تأتي في رأس هذه القيم، ولا تقوم وتتأسس الرابطة الإيمانية بدونها. وعليه، فإن انتماء المسلم الحقيقي هو لعالم القيم الإسلامية، لا لأي جغرافيا أو حدود استعمارية مصطنعة.
وإذا كان مفهوم "الوطن" يعني الأرض التي تُطبّق فيها هذه القيم، وتحفظ فيها كرامة الإنسان، ويقام فيها شرع الله، ويقوم الناس فيها بالقسط، فإن تلك الأرض هي وطن المسلم، بغض النظر عن موقعها الجغرافي، دون أن يكون "الوطن" هو "التراب"، أو "الحدود"، أو "القومية" — فذلك انحراف عن المفهوم الإسلامي، وتحويل للوطن إلى صنم حديث يُعبد من دون الله، ويُقاتل الناس من أجله، ويُضحى بالدين والقيم لأجله أيضًا — وإنما هو (أي الوطن) شرع الله وذات القيم بمرجعيتها الإسلامية المتعالية، وفيها غاية الكرامة الإنسانية.
قال أحمد مطر (أمدّ الله في عمره):
(وطني أنَـا: حُريّـتي                        ليسَ التّرابَ أو المبانـي
أنَـا لا أدافِـعُ عن كيـانِ حجـارةٍ       لكـنْ أُدافِـعُ عـنْ كِيانـي). 

تعليقات

المشاركات الشائعة