اليوم الوطني: وثنية جديدة
![]() |
وقد سيطر آل سعود عليها بفضل عوامل كثيرة، كان أهمها استخدامهم للوهابيين القتلة سفّاكي الدماء، ليستمروا بهم في تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وديارهم وأعراضهم، وعامل السلاح الأكثر تطورًا بعد ذلك، الذي زوّدهم البريطانيون به، والذي لولاه لقضى الإخوان على عبد العزيز بعد أن اشتعل الصراع بين آل سعود وبينهم، وكانت معركة السبلة (1929) أهم المعارك بينهم.
فقد انتهى التحالف إلى صدام دموي جرّاء رفض البريطانيين لمحاولات الإخوان التمدد وتجاوز الحدود المرسومة لهم، فسُحقوا، فلولا هذا الدعم البريطاني لكان اختلف الحال اليوم.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو استغلال آل سعود لجهل الناس وبدائيتهم، خاصة في نجد، وكان ذلك مدخلًا كبيرًا لهم ولابن عبد الوهاب قبل ذلك. وإلا، فلا يوجد أحد يتبع كلام ابن عبد الوهاب ولديه ذرة عقل. على أنه قد حذّر أخوه سليمان بن عبد الوهاب عامة الناس في نجد منه، ولكن الجهل كان أشد مما يُتصوَّر.
وهنا يظهر السؤال: ما الجديد الذي جاء به محمد بن عبد الوهاب؟
والجواب: أنّه انحطَّ بمفهوم التوحيد وشوّهه إلى الحد الذي مكّنه من استباحة دماء وأعراض وديار المسلمين، بحجة أنهم مشركون، أي إنهم غير موحدين على طريقته هو: «توحيد الناس تحت أحذية الطغاة». والمصيبة أنه لا يزال إلى يومنا هذا منافقون وجهلة يسمونه "المجدِّد"! ونحن نقول: ماذا جدَّد؟ وبأيِّ حق استحقّ ذلك اللقب؟ والجواب: لم يُجدِّد، بل شوّه وحرّف، وفرّق وقتّل، واستباح كل المحرمات. وهل من يعتبر عبادة الحجر شركًا قد أتى بشيء جديد؟ وهل كان الناس يعبدون الأحجار والقبور؟! وليكن ذلك، فهل قال الله: اقتلوهم؟ أم قال: ادعوهم بالتي هي أحسن؟ وقد جعل سبحانه الفصل في نهاية المطاف يوم الفصل.
أهم يريدون أن يزايدوا حتى على سيِّد الخلق محمد ﷺ الذي قال الله له فقط: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21 - 22). "فعِظْ -أيها الرسول- المعرضين بما أُرْسِلْتَ به إليهم، ولا تحزن على إعراضهم، إنما أنت واعظ لهم، ليس عليك إكراههم على الإيمان." (التفسير الميسر).
وما كان له أن يسود ذلك الاعتقاد والنهج الذي أتى به، لولا أنه وجد الحماية والدعم من ابن سعود، ولولا أن قوى الاستعمار رأت فيه الأداة الأمثل لضرب السلطنة العثمانية في حينها (التي هي استبدادية على كل حال، وغير إسلامية في الأصل، وهذا موضوع آخر)، ولتقسيم وتفتيت ما بقي من اجتماع هذه الأمة. وبالفعل، استمر دعم قوى الاستعمار، وعلى رأسها بريطانيا، لهذا التيار الوهابي إلى يومنا هذا.
والنتيجة: تشويه الدين، وتحريف معانيه، وجعله أداة بيد الغاصبين والمحتلين والمستبدين، وتخريج ملايين المهووسين بالأضرحة والقبور، ودفع ملايين آخرين باتجاه الإلحاد وعداء الدين؛ فقد خُدعوا وصدقوا أن الإسلام هو ما جاء به ابن عبد الوهاب، ولم يعرفوا أن ذلك على النقيض تمامًا منه.
إن هذا اليوم الذي يحتفل به المسعودون كلَّ عامٍ لَهو ذكرى أليمة، بل فاجعة كبيرة؛ يومَ قامت سلطةُ الطاغوت على كافة الجزيرة، وهُمِّشت وهُشِّمت كلُّ صورةٍ لسلطة الجماهير، وكلُّ جهدٍ باتجاهها. ولو أن لدى آل سعود ذرة عقل، لما ذكّروا أبناء ضحاياهم بأيام قتلهم لآبائهم وأجدادهم، وغصبهم لديارهم، واستحلال دمائهم وأعراضهم بحجة عبادة القبور…
ومن المفارقات العجيبة أن الوهابية، التي شنّت حربًا لا هوادة فيها على ما سُمّي "عبادة القبور"، وحرّضت على تدمير الأضرحة وهدم المقامات، متهمة أصحابها بالشرك، قد أسّست لثقافة "عبادة أصحاب القصور"، حيث يُقدّس الحاكم ويُطاع دون مساءلة، ويُمنح الشرعية باسم الدين باعتباره المتحدث باسم الله، وهم (أي آل سعود وكهنة الوهابية) — دون غيرهم — من يحتكرون فهم "وتفسير" الدين.
وبدلًا من الدعوة إلى الشورى والعدل والحرية ومحاسبة الحكّام، التي دعا إليها الإسلام وهي من صميمه، تم ترسيخ الطاعة العمياء لهم بوصفها من صميم العقيدة، وشرعنوا تحويل الخلافة الإسلامية من مفهومها القائم على البيعة والاختيار الحر، إلى سلطة وراثية استبدادية مغطاة بفتاوى دينية.. وهل نجح الوهابيون وآل سعود في شيء كما نجحوا في تشويه وتحريف الدين؟
فقد ربطوا طاعة الله بطاعة الولاة، قلبًا لمنطق القرآن، الذي ربط طاعة أولي الأمر – الذين هم منتخبون من الناس – بطاعة الله ورسوله. وهذا من أعظم تحريفاتهم وأخطرها. حيث يقولون: من أطاع الحاكم فقد أطاع الله، بينما القرآن لا يجعل كلمة "طاعة" منفردة لأولي الأمر، وإنما يربطها ويشترط لها طاعة الله ورسوله، وأن يكون أولو الأمر "مِنَّا" لا "عَلَيْنَا"، أي باختيارنا لا مفروضين علينا.
ورغم أنهم (كهنة الوهابية) يكررون: "تسمع وتطيع للحاكم في غير معصية"، إلا أنهم في نفس الوقت يقولون: "تسمع وتطيع، ولو رأيت الحاكم يزني ويلوط نصف ساعة يوميًّا على التلفاز!"، ويقولون: "حتى ولو كان الحاكم مغتصبًا، متغلبًا، فاسقًا، فاجرًا، فلا تؤلّب العامة عليه، بل حبِّبهم فيه، واجعلهم عونًا له!!!". وهل هذا الذي يدعون إليه سوى الشرك الصراح البواح؟!
وإن تعجب، فاعجب من هذا: دعاة التوحيد (الوهابي) هم أكبر دعاة الشرك وأخطرهم على مفهوم التوحيد، فقد جعلوا الحكّام آلهة تُعبد من دون الله، في الوقت الذي يقولون فيه – للضحك على الذقون –: "تسمع وتطيع في غير معصية"، وهل هذا الشرك إلا أعظم وأفجر معصية؟!
نود القول: إن فرح واحتفال المسعودين اليوم بهذا «اليوم الوثني» لم يكن ليحدث لولا أنهم جهلة، لا يقرأون ولا يعون. فلو أن الواحد منهم قرأ شيئًا من تاريخ هذا الكيان الغاصب، لما أقدم على الاحتفال بيوم إعلان إخضاع المسلمين لحكم الغاصبين المعتدين الكافرين المحرّفين للدين. ولكنه الجهل… قاتل الله الجهل، وقاتل الله آل سعود وكهنتهم الذين حرصوا كل الحرص على ترسيخ هذا الجهل وتعزيزه وتقديسه، بل على تحويله إلى مفخرة يتفاخر بها المسعودون أمام العالم، فكونهم جهلة هو رمز فخار لهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.



تعليقات
إرسال تعليق