متى يكون الكيان السياسي إسلاميًّا أو غير إسلامي؟



دائمًا ما أكتب دون كلل حول هذا الموضوع الجدّ حساس، والجدّ مهم؛ أعني موضوع الكيان الإسلامي أو الدولة الإسلامية، ورأيت أن أعيد الكتابة عنه بشيء من التوسّع والشرح، لا سيما بعد الجدل الذي حصل الأيام الماضية نتيجة تصريح أحد كهنة الدين، عندما قال: "إن النبي توفي والوحي أشد ما يكون تتابعًا، وهو في أوج قوّته ونشاطه، مات ولم يكتب لنا دستورًا، ولم يُبيِّن لنا طريقة اختيار الحاكم، ومحاسبته، وعزله، ولم يُعيِّن لنا حاكمًا معيّنًا، وكانت تلك نكبة ارتدّ بها جمهور المسلمين عن الإسلام." 

وبدأت الردود عليه من كل اتجاه؛ بعضها موجَّه، والآخر سادر غير عارفٍ لما يقول، ولا كيف يرد، واتفقوا كلهم على شيء واحد: أنهم لم يُجيبوا عن أخطر سؤال منذ وفاة النبي الخاتم، صلى الله عليه وسلم، وهو: كيف يمكننا أن نُحدد ما إذا كان كيانٌ سياسيٌّ ما إسلاميًّا أو غير إسلامي؟ ما هي العلامات أو السمات أو المعايير التي على أساسها نستطيع الجزم أن هذا كيانٌ إسلامي، أو هو لا علاقة له بتلك الصفة أبدًا؟

على الأقل، نريد حدًّا أدنى من الشروط أو المعايير التي يمكن بها تحقيق الإسلاميّة والمشروعية لذلك الكيان أو الدولة. ونحن، بحمد الله، قد سبق أن قررنا في كتابنا الأخير "لماذا ننطلق من جزيرة العرب" أن الشرطين اللذين يُشكّلان الحدّ الأدنى لتحقيق إسلامية أي كيانٍ يدّعي التمسّح بالإسلام هما:

أولًا: أن يكون قيام ذلك الكيان بإرادة ورضا واختيار الشعب / الأمة – رجالًا ونساءً – وانبثاق الكيان عنهم باختيار منهم، وقرارهم بيدهم (أي: الشورى، والديمقراطية هي آليّتها المعاصرة المتاحة والممكنة والأقل سوءًا عالميًّا - ضمن مرجعية الشريعة). والشورى تقتضي عدم وجود أيّ شكلٍ من أشكال التوريث، أو التفرُّد بالأمر والقرار، أو احتكار الأموال والثروات: "السلطان: الملك العام"؛ فلا ملكيات، ولا وراثيات بكل أشكالها.

وهذه نقطة يغفل الكثيرون عنها، خاصة الإسلاميون؛ فبمجرد وجود شكلٍ أو صيغةٍ ما من أشكال وصيغ التوريث، فإنها تُسقط فورًا صفة "الإسلامية" عن ذلك الكيان السياسي أو الدولة، حتى ولو قيل "ملكية دستورية"، لا فرق؛ فالدستور، كما قلنا، لا يجعل الحرام حلالًا، ولا الباطل حقًّا.

ولذلك، لو قيل لنا: هل نظام مثل "الملكية الدستورية" في بريطانيا وغيرها من دول أوروبا والعالم - ورغم ما فيها من مستوى أفضل من غيرها من ناحية الحريات العامة والحقوق -، لو قيل: أليس ذلك مقبولًا إسلاميًّا؟ أو ما المانع من اتخاذه نموذجًا يُحتذى به باعتبار أنه لا يتعارض مع مقاصد الشريعة؟

نقول له على الفور: بل هو يتعارض مع جوهر الشريعة التي تنص على الشورى، والشورى والتوريث نقيضان لا يجتمعان. فالشورى بما هي تشارك وتداول وحوار وحرية وسعة، لا يمكن لها أن تجتمع في آن واحد هي والتوريث بما هو استبداد بالحكم وحصره في سلالة واحدة دونًا عن بقية الشعب أو الأمة. فإذا حضر التوريث، قُضي على الشورى وكان الاستبداد والإكراه وتكميم الأفواه والتسلط والاستئثار بالقرار والسلطة والمال. وإذا كانت الشورى، انتفى التوريث وحل التشارك والتداول والحوار والتوافق وحرية الاختيار والكلام والاعتراض. 

ونزيد في التبيان: إنه نظامٌ جاهليٌّ كُفريٌّ، ولا يقبل الإسلام به بأي حال من الأحوال. لا وراثيات مطلقًا، بأي صيغةٍ وكل الصيغ، دستورية أو غير دستورية. الأمر في الإسلام (مطلق الأمر؛ والشأن العام هنا هو المعني في المقام الأول) شورى بين الأمة، كل الأمة. وكون ذلك كذلك، فإنه يقتضي انتفاء الوراثيات بكل صيغها، حتى الرمزية منها؛ كلها مرفوضة رفضًا قاطعًا، لا يقبل أي نقاش. ولنا كتابٌ كاملٌ في هذا الموضوع بعنوان: "مفهوم المُلْك في القرآن، بين التمكين المشروط المؤقّت، والتمليك المطلق الدائم"، فليُراجَع وليُفهم جيدًا.

ثانيًا: التزام هذا الكيان بمبادئ الإسلام الكبرى، وعلى رأسها:

1. الحرية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". و"فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ". وإذا كان لا إكراه في الدين، وهو المرجع والحاكم والأساس، فحتمًا وعقلًا وبداهةً: لا إكراه في كل ما دونه، وكل شيء دونه.

2. أن تكون الشورى، التي هي: (حقّ الأمة في حكم نفسها بنفسها)، ضمن مرجعية وحاكميّة الوحي، وبما لا يتعارض معه.

3. وحدة الأمة: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" / "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" / "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" / "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ".

فكل الدول الإسلامية مرجعيّتها واحدة، وسِلْمهم وحربهم واحدة، واقتصادهم يكون موحّدًا، وكلمتهم -على الأقل في القضايا الكبرى والاستراتيجية- واحدة.

وشرط المواطنة الوحيد هو الإسلام، والرضا بحكم الإسلام (لغير المسلمين)، بمعنى أنه وإن وُجدت دول إسلامية متعددة، فإن المسلم فيها وبينها يتنقّل بحرية تامة، دون أية قيود، وله حقّ العيش والعمل في أيّ من البلدان الإسلامية شاء. ولا يبقى سوى شروط التصويت، التي تحتاج لعدد من السنين إقامة في ذلك البلد، حتى يعرف من الأصلح لإعطائه صوته؛ فالصوت أمانة. وهذا إجراء طبيعي؛ فليس معقولًا أن تُصوّت لأحد لا تعرفه، ولا تعرف المشكلات المحلية لذلك البلد، ما لم تقم هناك لفترة زمنية معقولة، تمكّنك من التمييز ومعرفة الأمور جيدًا.

4. القِسط: العدل "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.." (الحديد: 25). والقِسط هو فيما أنزله المولى عز وجل، فيتحقّق بتحقيق ما نصّ عليه القرآن العظيم، وبما لا يتعارض معه.

ونقول "بما لا يتعارض معه" لأن المباحات لا حصر لها، والأصل في الأمور الإباحة، فكل مباح هو إسلامي بالضرورة.

وبالتالي، إن استفاد المسلمون من أي آلية لا تتعارض مع مرجعية الوحي —وإن لم ينص عليها— في شتّى شؤونهم، فهم بذلك ملتزمون بالوحي، غير مخالفين له.

5. المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وأمام القانون الذي هو متفق مع الشريعة؛ إذ إننا عندما نقول: "سيادة القانون" أو "المساواة أمامه"، فإننا نقصد القانون المتفق مع الشريعة الإسلامية، أو الذي لا يتعارض معها.

6. عدم التعدي على المحرّمات التي جاءت حصرًا في كتاب الله، ذلك أن المرجع التشريعي الأعلى في الإسلام، والحاكم على كل ما سواه، هو كتاب الله؛ فحرامه هو الحرام، وحلاله هو الحلال.

7. التواصي بالحق، والصبر على ذلك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقلنا: إن المعارضة السياسية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، والصحف، والمظاهرات، والمؤتمرات، والتجمّعات السياسية، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي… إلخ، هي التمثّل العملي والمعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا تظهر لنا مسؤولية الفرد المسلم؛ فالمسلم ذو رأي وشخصية ومرجعية متعالية، لا يقبل من أحد تجاوزها.

8. الكرامة للجميع، دون تمييز أو تهميش أو إقصاء: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ". وصَون حقوق الإنسان، كل إنسان، ومعرفة أن الأكرم عند الله هو الأتقى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". فلا محلّ مطلقًا لعنصرية أو تعصّب؛ ورب العالمين خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، لا لنتذابح أو يعلو بعضُنا على الآخر. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13). 

9. أن تكون كل التشريعات والقوانين الصادرة من مجالس التشريع المنتخبة من قبل الأمة (أُولي الأمر منكم)، ضمن حدود الله تبارك وتعالى ورسالته، ومنضبطة بمرجعية الوحي، ولا تتعارض معه؛ فلا تتعدّى على محرّماته التي جاءت في كتابه تعالى، وهي محدودة وإنسانيّة، أي يفهمها كل إنسان.

ومن المحرّمات: أن العدوان على من لم يُحاربنا في ديننا وحريتنا، أو يُظاهر عدونا علينا، فعلٌ محرّم، لقوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190).

10. أن يكون المرجع عند وقوع النزاع بين الأمة وأولي الأمر هو كتاب الله تعالى، عبر هيئة عُليا من كبار العقول الموسوعية المنتخبة، تكون قادرة على فَضّ النزاع بردّه إلى كتاب الله وهدي رسوله، لاستنباط الحكم الشرعي الذي تذعن له كل الرؤوس، على أن يكون مستندًا إلى النصّ القطعي (الوحي).

إذ المرجعية القطعية المُتعهد بحفظها من المولى سبحانه هي القرآن العزيز: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9).

ثم بعد ذلك، يُؤخذ من الروايات المنسوبة للنبي الكريم، بما لا يُخالف نصّ الوحي؛ إذ إنه إذا كان الرسول معصومًا من مخالفة الوحي، وهو أوّل مأمور باتباعه، عرفنا أنه حتمًا لم يُخالفه، وأدركنا أن صحيح هديه هو القرآن، ولزومه مرجعًا وحاكمًا ومهيمنًا على كل ما سواه. فمن التزم به حاكمًا ومهيمنًا، كان على هدي الرسول ﷺ. وإذا كان القرآن مُهيمنًا على الكتب السابقة المنزلة، وهي من عند الله: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ…" (المائدة:48)، فكيف لا يكون مُهيمنًا على "البخاري" و"مسلم" و"الكافي" وغيرها من كتب الحديث والروايات، التي تغصّ بها المكتبة الإسلامية لدى مختلف المذاهب والفرق؟

فإذًا: المرجعية القطعية والمُهيمنة، والمُتعهد بحفظها من قبل الله بنصّ الوحي، هي هذا الكتاب العظيم: القرآن الكريم، ثم ما وافقه ولم يُعارضه مما نُسب إلى النبي الخاتم، فيُؤخذ به كتحصيل حاصل.

هذه إذًا الشرطان ببنودهما، التي إذا ما تحقّقت أو نقصت في كيانٍ ما، استطعنا عندها أن نصفه بأنه إسلامي أو غير إسلامي. ولكن — وهنا النقطة الأهم —: هل يكفي تحقق أحد هذين الشرطين، أو أحد تلك البنود، في كيانٍ ما، لأن يمنحه صفة "الإسلامية"؟ كأن يقوم كيان سياسي ما، ويمتد ويتّسع حتى يضمّ شتات المسلمين في كل مكان؛ هل هذا يكفي لمنحه صفة "الإسلامية"؟

أي: هل هذا البند الوحيد "وحدة الأمة"، الذي حقّقه — وربما بجانب بعض البنود الأخرى —، كافٍ ليكون كيانًا إسلاميًّا؟ ولكن، مع العلم أن ذلك الكيان يقوم على مبدأ التوريث، ويجعل اسم الدولة منسوبًا إلى مؤسّسها، كمثال: "السلطنة العثمانية" التي يصفونها بأنها "خلافة إسلامية"، وكذلك المملكة السعودية؟!

لقد كانت هذه السلطنة قد ابتدأت أول الأمر كإمارة صغيرة في ما يُعرف اليوم بتركيا، عام 1299، على يد شخص يُدعى عثمان بن أرطغرل، والذي تُنسب إليه تسمية السلطنة بـ"العثمانية". وقد توارثه أولاده من بعده، حتى عام 1517، حيث تحوّلت إلى "الخلافة العثمانية"، وذلك بعد أن انهارت دولة المماليك في مصر، وصار حينئذ يُسمّى السلطان "خليفة".

وأول من حمل لقب "خليفة" رسميًا من العثمانيين كان السلطان سليم الأول، واحتُفظ باللقب داخل الأسرة العثمانية حتى نهايتها، على أن الشرط لتولّي "الخلافة" هو أن يكون الشخص من نسل عثمان بن أرطغرل. وقد استمرّ حُكمهم قرابة 600 عام أو أكثر قليلًا، توسّعت فيه دولتهم شرقًا وغربًا، حتى أصبحت إمبراطورية شاسعة. وكان القتل بين الإخوة من أجل الحكم شائعًا بين آل عثمان، بل كان سياسة مُتبعة، حتى سقوط سلطنتهم رسميًا في عام 1924 من القرن الماضي. وقد استخدموا الدين كغيرهم، وحرّفوه كغيرهم، ولم يتأخّر الكهنة — كعادتهم — عن إعلان الولاء والتأييد لهم طوال تلك القرون.

من يطّلع على تاريخ هذه السلطنة، ويكون واعيًا بشرطَي الكيان الإسلامي، سوف يقول فورًا ودون تردّد: لا علاقة لكيانهم ذاك بالإسلام، لا من قريب ولا من بعيد؛ بل هو نظام يقوم على الوراثيّة، التي هي شِرْكٌ صريح، وادّعاء بأنهم المالكون للبلاد والعباد من دون الله: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا" (الإسراء: 111). وكُفرٌ صريحٌ بفريضة الشورى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الشورى: 38)، والتي هي هدي النبي ﷺ: "..وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.." (آل عمران: 159).

وأما كون هذه السلطنة قد حقّقت بند وحدة الأمة، فلا يجعلها ذلك إسلامية؛ لأن توفر بند وحيد، أو حتى كل البنود عدا واحد، لا يجعل الكيان إسلاميًا. فالشرطان، وما فيهما من بنود، لا تقبل التجزئة؛ أن يُؤخذ بعضها ويُترك البعض الآخر، فهذا كفرٌ بالإسلام وشرعه.

يقول تعالى: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (الجاثية: 18). أي: اتبعها كلّها، لا نصفها أو ثلثها. فالإسلام شريعة كاملة، وأُمر النبي ﷺ باتّباعها كلها، لا اتّباع الأهواء. فمن ترك شيئًا من الشريعة لهوى أو رأي، فقد خالف المنهج الإلهي.

الإسلام منهج كامل، لا يقبل أن يُجَزَّأ؛ فتُقبل منه - مثلًا - وحدة الأمة، وهي عنصر قوة لأي دولة، في الوقت الذي تُرفض فيه الشورى، وحكم الأمة عن طريق تشريع الوراثية، التي لا يمكن بحالٍ أن تجتمع هي، وصحيح الشورى، وصحيح الإسلام.

قال تعالى: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة: 85). ويقول تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة: 49 - 50). ويقول أيضًا: "..وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة: 44).

قال: "بما أنزل"، لا: "ببعض ما أنزل".

وهذا بالضبط ما ينطبق على سلطنة بني عثمان؛ حيث آمنت ببعض ما أنزل وكفرت ببعض. فقد قامت على التوريث، وبمجرّد قيامها على ذلك، فإنها تكون قد فقدت الشرط الأول لإسلاميّة أيّ كيان سياسي. وهذا فضلًا عن افتقادها للعدل، والمساواة، وتضييقها على الحريات العامة، وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و… إلخ.

وتكون النتيجة بالتالي: عدم شرعيّة وعدم إسلاميّة "الخلافة" أو "السلطنة" أو "الإمبراطورية" أو "الدولة" العثمانية. ومثلها تمامًا: الزريبة السعودية، وقبلهم: الدولة العباسية والدولة الأموية، وما بينهما من دويلات متفرّقة تتمسّح بالإسلام، وهي بعيدة عنه أشدّ البُعد.

سبق وقلنا في كتابنا "مفهوم المُلك": إن معيار الشرعية ليس، كما يتوهم البعض، متعلقًا أو محصورًا بكون الناس قادرين على أداء الشعائر الدينية والطقوس فقط؛ فذلك حاصل في كل الكيانات السياسية في العالم: من كيان شرعي، ومن كيان منقوص الشرعية، وحتى كيانات منعدمة الشرعية.

ومثال الحالة الأخيرة (منعدمة الشرعية / غير إسلامية) يتجلى جليًا في معظم الكيانات السياسية العربية و"الإسلاموية"؛ فهي فاقدة لكلا جانبي الشرعية، ومع ذلك يُصلي الناس فيها ويصومون ويحجون ويعتمرون ويدفعون الزكاة، التي تذهب في نهاية المطاف إلى جيوب الطواغيت والغاصبين والمفسدين.

أما المثال الثاني (منقوصة الشرعية — والنقص هنا يعني أنها ليست إسلامية أيضًا) فنراه في كثير من الدول الغربية التي تحقق جانب الشرعية الأول؛ حيث توجد ديمقراطية (على أنهم يجعلون الحكم النهائي للشعب، وهذا ما لا يقبله الإسلام، إذ المرجع النهائي هو الشرع، ممثلاً في النصوص القطعية، وللأمة الشورى والاجتهاد فقط فيما لا يتعدى على حدود الشرع ومحرماته)، وتُتاح فيها الحرية والعدالة لشعوبها داخليًا. لكن في الوقت ذاته، ترتكب هذه الدول المجازر والفظائع خارج حدودها، وتدعم المستبدين والطغاة والمجرمين في العالم، وخصوصًا في منطقتنا العربية والإسلامية، فضلًا عن تجاوزات كبيرة على المحرّمات القطعية في قوانينها وتشريعاتها (كالتقنين الرسمي للشذوذ والربا وغيرها).

فالكيان السياسي المنطلق من فلسفة وتعاليم الإسلام لا يمكن أن يعتدي على شعب آخر، ولا يغتصب أرضه، ولا يصدر عنه ظلم تجاه شعوب أخرى، ولا يشارك في ذلك أو يساهم به بأي شكل من الأشكال.

وسياسته تجاه الآخرين واضحة في قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190)، وقوله: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 8 - 9). 

ولا يمكن له أن يتعدى في تشريعاته على المحرّمات القطعية التي وردت في كتاب الله تعالى. بينما نرى العكس تمامًا في معظم الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وكيان الاحتلال الصهيوني الذي يعد برهانًا واضحًا على ذلك؛ فالغرب هو من أنشأه، وهو كذلك من صنع كيانات الغصب والتوريث والطغيان في منطقتنا، وهو من يسلحها ويدعمها ويحميها.

أما الكيان السياسي الذي يتمتع بشرعية كاملة (أي إسلامي) فنادر الوجود، وقد تحقق بأبهى صورة تاريخية في دولة المدينة التي أسسها النبي ﷺ في ظل عصور الوراثات والإمبراطوريات والتوحش. وهذا ما نسعى نحن لتحقيقه عبر الآليات المعاصرة المتاحة، ضمن مرجعية الوحي وبما لا يتعارض معها.

ولا نقصد إعادة التاريخ أو تقليده، بل التأسي بالنموذج المتحرر الإنساني الإسلامي الذي صنعه النبي الخاتم ﷺ — مع مراعاة العصر وشروطه ومتغيراته. فهو ﷺ لم يقل: "فرضني الله عليكم"، وإنما طلب البيعة، والناس اختاروه، وكان ذلك أعظم وأشرف اختيار عرفته البشرية.

الخلاصة: هناك شرطان يمثلان الحد الأدنى لإسلامية وشرعية أي كيان سياسي، وهذان الشرطان ببنودهما لا يقبلان التجزئة أو التقسيم أو التدرج؛ كأن يؤخذ بعضها ويترك البعض الآخر، فذلك يسقط على الفور إسلاميتها أو يُتدرّج في تطبيقها كون ذلك متعذراً، إذ إن الأمر هكذا: إما إسلامي أو غير إسلامي، إما شورى أو بلا شورى. وكما أن وحدة الأمة (بمختلف الصيغ، فليس شرطاً أن تكون ضمن دولة واحدة) عنصر هام في إسلامية الدولة، وفقدانه يُسقط إسلاميتها، إلا أن وجوده وحده لا يكفي أيضاً لتحقيق إسلامية الدولة، وإمكانية الناس من إقامة شعائرهم (صلاة وصيام) في كيان ما لا يعني بالضرورة شرعية ذلك الكيان أو الدولة.

ونخلص أيضاً إلى أن أي كيان يقوم على التوريث والتغلب والعدوان والظلم والقهر هو حتماً غير إسلامي وغير شرعي على الإطلاق، وليسمه الناس ما شاءوا، لا يهم، المهم أنه غير إسلامي، ولا يجوز ولا يصح وصفه بالإسلامي بأي حال.

ونقول بناءً على ذلك: فإن كل الكيانات الوراثية السابقة، مرورا بالسلطنة العثمانية ووصولاً إلى الكيان السعودي، تقوم على ادعاء الألوهية ومشاركة الله في ملك البلاد والعباد، وتحرف الدين مستغلة إياه، وتدعي الأبدية في بقائها، وهي زائلة في حقيقة الأمر، وقد زالت بالفعل كلها، والكيان السعودي في طريقه إلى الزوال ليلحق بها، في القريب العاجل بعون الله ورحمته.

ولا ننسى أن الإسلامويين المنافقين قد لعبوا دوراً قذراً وخطيراً في تثبيت كثير من كيانات الكفر والغصب والتوريث على مدى عقود، فبمجرد أن يروا أناساً يصلون أو يصومون، أو لمجرد أن يكون الحاكم على مذهبهم أو طريقتهم أو يجاملهم، أو أن يجمع الكيان السياسي ملايين المسلمين بالسيف والغصب تحت حذاء طاغية من الطواغيت، مدعين أن ذلك توحيد للأمة، ولكن توحيد تحت ماذا؟ تحت حذاء الطاغوت…

فبمجرد أن يروا ذلك الواقع الشنيع يبدأون في شرعنته ووصفه بالإسلامي، وهو أبعد ما يكون عن ذلك الوصف الجليل. وها هم اليوم لا يرون بأساً في أن يصل لحكم الزريبة السورية بالغصب والعمالة للأمريكان والصهاينة داعشي قتّال لمجرد أنه إسلاموي مثلهم، فلا تراهم يشترطون أن يختاره الناس ولا أن يعرض هو نفسه عليهم حتى، وهذا هو منهج الإسلامويين عمومًا والسلفيين والإخونج خصوصاً.

ولكن أملنا أن يخرج جيل إسلامي ثوري حر جديد يركم الحثالة في القمامة، ويأخذ بزمام الأمور نحو النهضة الإسلامية الحضارية الحقيقية، نحو حكم الأمة ضمن مرجعية الوحي وبما لا يعارضه، نحو الشورى والعدل والمساواة والحرية ووحدة الأمة، متجاوزاً حدود سايكس وبيكو وكل ما فرضه الاستعمار وعملاؤه علينا لقرون مضت، ومتجاوزاً تراث الماضي البئيس الذي لطالما حضّ على الخنوع والركوع للطواغيت وتقديسهم وعبادتهم وشرعنة الحكم بغير ما أنزل الله، وبما يعارض صريح نصوص الوحي…

تعليقات

المشاركات الشائعة