قراءة في قوله تعالى: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"
شاهدتُ صدفة مقطع فيديو لأحد كهنة الوهابية، وهو يُدجِّل ويُحرِّف كما هي عادته وطبيعة وظيفته: أن لا علينا بما يدور حولنا وفي العالم كله، وخاصة في غزة. وولاة الأمر هم الأعرف والأبخص! محاولًا منع أيّ مظهر من مظاهر التضامن مع أهلنا الذين يُبادون أمام أعيننا لعامين متتاليين، وقد حرّموا التظاهر قبل ذلك. ثم استشهد هذا الدجّال بجزء من الآية (٨٣) من سورة النساء: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ". وهو هنا يحاول إضفاء شيء من الشرعية على دَجَله وإجرامه وتحريفه لمعنى الآية وابتسارها، والآية كاملة هي: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا" (النساء: 83).
وواضح من الآية أنها تتحدث عن قضية تتعلق بأمن الدولة الإسلامية، وهي قضية جد حساسة وجد خطيرة. فالقضية إذًا عسكرية في جوهرها، بدلالة قوله تعالى: "أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ"، وبدلالة السياق الذي جاءت الآية ضمنه: "مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا * فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا" (النساء: 80 - 84).
فإذاعة شائعات الخوف دون تبَيُّن وتثبُّت ستُثير ذعر المجتمع، وإذاعة شائعات الأمن أيضًا قد تؤدي إلى التراخي والتهاون والتساهل، مما يجعلنا عرضةً لمباغتة العدو. فالأمران خطيران، ثم سياق الآيات قبلها وبعدها، كما عرضنا، يُؤكِّد ذلك. وهي في فئة من المنافقين أو من اتبعهم من ضعاف النفوس في المجتمع المسلم.
وأيًّا ما يكون؛ تكمل الآية: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ".
وهنا لنا وقفة:
أولًا: الرسول ليس بيننا، ولكن الشيء الذي أصبح به محمد بن عبد الله رسولًا موجود بيننا ومحفوظ بأمر الله، وهو كتابه العزيز. وهدي الرسول الأكرم لا يخرج عن دائرة ما أُنزل عليه، وهو أول مأمور باتباعه. فهديه هو القرآن؛ من سار على ذلك كان مهتديًا بهديه، مقتفيًا أثره، مستنًّا بسنته. وما وصلنا مما نُسِب إليه من روايات كثيرة، الحكم والمعيار في التثبُّت من أنها صدرت عنه صلى الله عليه وسلم هو القرآن. فما وافقه، وما لم يتعارض مع ظاهر نصوصه، أخذنا به. وما عارضه، عرفنا أنه إما أُصيب بالتلاعب: الزيادة أو النقصان – سواء بحسن نية أو بسوء نية – أو أنه لم يقله أبدًا. وفي الحالتين، لا نأخذ سوى ما وافق الكتاب، ولم يتعارض مع ظاهر نصوصه، كونه الذي أُكمِل به الدين، وهو المحفوظ من أي تحريف. فالردّ هنا إنما يكون بهذا الشكل: أي إلى كتاب الله، المهيمن على كل ما سواه. وهدي رسوله إنما كان هذا القرآن؛ هديه، وحياته، وأخلاقه، وسيرته. وهو المعيار في قبول أو رد ما وصلنا من كل ما نُسِب إليه، صلوات ربي وسلامه عليه.
الأمر الثاني: قد سبق أن عرضنا لموضوع أولي الأمر وحدود طاعتهم؛ ونورده هنا لنبني عليه: يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء: 59).
لقد جاء التعبير بـ «أولي الأمر» بصيغة الجمع، لا المفرد، مما ينفي تصور الحاكم الفرد، أو الحزب الواحد، أو السلطة المطلقة، أو الحكم الوراثي الذي يحتكر المال والقرار، ويجعله في نسلٍ معينٍ يُتوارث، كما يُتوارث المتاع. ويؤكد أن الأمر شورى، وأن السلطة تتوزع بين أهل الشورى والاختصاص والخبرة.
وهذا يتسق مع ما قرره القرآن في وصفه للذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، بقوله: "وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" (الشورى: 38)، ومع ما أثبته البحث سابقًا (راجع كتابي: مفهوم المُلْك في القرآن) من رفض القرآن لحصر السلطة في فرد أو سلالة، وتمييزه بين التمليك المطلق، الذي لا يقع لبشرٍ ولا لمخلوق، والتمكين المشروط، الذي هو أحد صور الملك الجزئي النسبي، التابع لملك (مالك الملك)، ومالك كل شيء، واشتراطه العدالة والشورى لتحقيق التداول الشرعي للسلطة.
"منكم" لا "عليكم":
قوله: "منكم" يشير إلى أن "أُولي الأمر" هم من نفس جماعة المؤمنين، لا فوقهم، ولا غرباء، ولا منعزلون عنهم؛ ما يدل على:
• أنهم مختارون من الأمة، لا مفروضون عليها.
• نابعون من جسدها الاجتماعي والسياسي والديني، يعبّرون عنها، لا يُفرَضون باسم "القدر"، أو "السيف"، أو "الحق الوراثي".
وهذا يُفهم منه أن شرعية "أُولي الأمر" مرتبطة بالاختيار الشعبي / الجماهيري، أي "العقد" (البيعة)، لا التغلب و"القهر".
ويكتمل الإطار القرآني لطبيعة السلطة الشرعية بأن الطاعة هنا مشروطة ومقيدة، وليست مطلقة؛ إذ جاءت الطاعة لله أولًا، ثم للرسول (أي: للرسالة وحدودها، وهديه ﷺ الذي هو تطبيق لتعاليم الرسالة وفق ظروف المجتمع الإسلامي في عهده ﷺ).
أما «أولو الأمر»، فلم تتكرّر معهم "وأطيعوا"، بل عُطفت طاعتهم على طاعة الرسول؛ ما يشير إلى أنهم لا يُطاعون لذواتهم، بل لما يحققونه من التزام بحدود الرسالة وهدي الرسول ﷺ، الذي كان مأمورًا هو نفسه بالشورى، كما قال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159)، وما يحققونه من عدل، وما يضعونه من قوانين بإرادة الشعب / الأمة، وموافقة مقاصد وحدود الشرع الحنيف.
وهذا يعني أن طاعتهم غير مطلقة، ومرهونة بتحقيق المقاصد العليا للشريعة الخاتمة، وملتزمة بقيم الحرية، والكرامة، والعدالة، وحقوق الإنسان، المنضبطة كلها بمرجعية الوحي، وأن ما يصدرونه من قوانين وتشريعات مفتوح للمراجعة والاعتراض.
وتزيد الآية توضيحًا حين تقول: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"، ما يثبت أن وقوع النزاع وارد، وبالتالي لا قدسية لأيّ شيء يصدر عنهم، ولا عصمة له من الخطأ، وأن المرجعية النهائية الحاكمة، والتي تخضع لها كل الرؤوس، وتنتهي عندها الصراعات والأهواء والاختلافات، ليست لأولي الأمر، بل للوحي… الميزان الإلهي، وهدي الرسول ﷺ، الذي لم يخرج قيد أنملة عن حدود الوحي المنزل.
وبذلك، يتضح أن «أولي الأمر» في التصور القرآني هم جماعة منتخبة بالشورى، ذات شرعية نابعة من الأمة، تمارس وظيفتها في التشريع والإدارة ضمن مرجعية وحاكمية الوحي، وهدي الرسول، الذي كان أول مأمور باتباع ذاك الوحي، كما في قوله تعالى: "قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ" (الأحقاف: 9)… وبما يتسق مع القيم الكونية المنبثقة عن / والمنضبطة بـ: نص الوحي.
وأن طاعتهم مرتبطة بالعقد الاجتماعي (البيعة) بين الأمة وممثليها، لا تُفرض، بل تُبنى على الحرية، والرضا، والإرادة الجماهيرية؛ ما يجعل هذا المفهوم القرآني سندًا شرعيًا لفكرة الدولة المدنية الشورية الجمهورية، التي تقوم على التداول والتشارك، لا التملك والتوارث والغلبة والقهر.
وأن الملك هنا (أي: السلطان) هو للأمة، فهو من الملك العام، والملك العام لا وراثة فيه مطلقًا؛ على أن تلتزم – كما بيّنا – بالتشريع الإسلامي، الذي هو تشريع إنساني، مدني، عالمي، ومتوافق مع ظروف كل مجتمع وكل زمن، ولا يفرّق هذا التشريع — في معظم جوانبه — بين المسلم وغير المسلم، إن اختاره الأخير ورضي به. والاجتهاد في التشريع ضمن حدود الله، هو من مهام ممثلي الشعب، الذين يُنتخبون انتخابًا حرًّا، من أهل العلم والمعرفة والرأي والاختصاص، لا من الكهنة وتجار الدين والمشعوذين. واجتهاداتهم تخضع للتصويت، والقبول أو الرفض، وطاعتهم غير مطلقة؛ فلكل زمان متغيراته ومجتهدوه.
وكثير من تشريعات المجتمعات المتحضّرة — التي لم تنتكس الفطرة فيها — هي أصلًا ضمن حدود الله، وبالتالي هي إسلامية، وإن لم يعلموا أو يعترفوا بذلك، كما قال تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم: 30).
فإذا عرفنا أن أُولي الأمر هم جماعة، وليس فردًا أو فئة أو أسرة أو طائفة أو حزبًا، وهم من الأمة، أي باختيارها، فهم ممثلو الأمة، وأن طاعتهم ليست لذواتهم، وإنما مشروطة بطاعة الله ورسوله، وأن النزاع معهم وارد، ما ينفي العصمة أو القداسة عنهم، وعن ما يصدر عنهم، ويؤسس لنظام شورويٍّ تشاوري تعددي تداولي، تتوزع فيه السلطة بين أكثر من جهة أو مجلس. وهذا يتسق مع قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الشورى: 38)، أي أن "الأمر" (أي السلطة، والتدبير، والقرار) ليس بيد فردٍ واحد، بل شورى بين الأمة، يُمارس بالشراكة والتمثيل.
وفي الآية محل البحث (النساء: 83)، جاء نفس التعبير "أُولي الأمر منهم"، وهذا يُعزز نفس المعنى الذي في الآية 59، أن "أُولي الأمر" ليسوا مفروضين، ولا فوق الأمة، بل هم منها، نابعون منها، مرتبطون بها. فهم إذًا نفس أُولي الأمر المنتخبين، أي إنهم ليسوا فئة معزولة عن الأمة، أو فوقها، أو مفروضة عليها، أو معصومة من الخطأ. ولكن المختلف في هذه الآية فقط، هو هذه الزيادة الدقيقة والهامة، وهي: "لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ".
هذا الجزء دقيق جدًا، ويؤكد أن الاستنباط الأمني والعسكري له جهة مختصة، ليست كل الأمة تُحسن تقديره، بل "الذين يستنبطونه"، أي الخبراء المختصون في هذا الجانب. وهذا يُؤسس لمفهوم اللجان المتخصصة داخل النظام السياسي الشوروي، مثل: لجنة الأمن والدفاع، لجنة الشؤون الخارجية، لجنة التقدير الاستراتيجي… إلخ.
فتزيد هذه الآية تفصيلًا غاية في الأهمية، وهو: تقسيم مهام أُولي الأمر في مجالس الشورى عبر لجان مختصة، تتشكل من الخبراء والمختصين كلٌّ في مجاله. وهنا، في الآية، الحديث في المقام الأول عن الأمن والاستعداد العسكري للمجتمع الإسلامي خاصة في سياق الحرب. ففي هكذا حالات، ليس كل ما يُسمع يُذاع، وإنما يُرَدّ إلى كتاب الله، الذي قال: "ردوه إلى أُولي الأمر"، الذين هم من الأمة ومنتخبون، ليعلمه المختصون منهم من لجان الاختصاص المختلفة في مجالس الأمة المنتخبة، ثم يُصدرون هم الرأي والقرار العلمي، والمستند إلى البراهين والأدلة.
إذًا؛ هذه الآية هي جزء تفصيلي لا يمكن أن يُنتزع لوحده من إطاره العام، الذي يُشكله الكيان الإسلامي الحقيقي، القائم على الشورى والاختيار ومرجعية الوحي، ليُوظَّف في غير محله. وعليه، فإن محاولة استغلال هذه الآية وإسقاطها على واقع غير إسلامي أصلًا، يقوم على احتكار الحكم وتوارثه، وعلى قهر الناس ومنعهم حقوقهم التي قررها الشرع، هو عين التحريف والافتراء على رب العالمين.
ثم إن الآية لا تتعلق بالشأن السياسي العام والتضامن مع المستضعفين في كل مكان، وإنما هي عن الشؤون الأمنية والعسكرية، وفي القضايا الأكثر حساسية، وفي سياقات الحرب والاستعداد لها، لا غير، وتُردّ إلى الخبراء الذين تُشكلهم لجان ممثلي الأمة المُنتخبين.
وفي النهاية، ومع كل ذلك، فالآية لا تُكمم الأفواه حتى في هذه القضايا الحساسة والتخصصية، وإنما تدعو لردها إلى أهل الاختصاص. وبذلك، يكون استخدام هذا الكاهن الوهابي لهذه الآية لحراسة عرش آل سعود الغاصبين المحتلين المعتدين، وتكميم الأفواه المكمَّمة أصلاً، إنما هو بغرض التدجيل والتحريف، وخدمة الطواغيت، وإبقاء الناس في ضلال وجهالة، وستنقلب عليهم جحيمًا إذا ما فهم الناس ما أوردناه في مقالنا هذا بخصوصها؛ أي إذا ما فهموا الآية كاملة، والسياق كاملًا، وربطوا الآيات ببعضها، فالقرآن يؤخذ كاملًا لا مُجزّأ.
ومن يتخذ القرآن عضين، كما يفعل كهنة الطواغيت: "الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ" (الحجر: 91) - عضين: جمع عِضة، يُقال: عضيتُ الشيءَ تعضيه، فرّقته، وكل فرقةٍ عِضة، أي مُجزّأ - فقد توعّده رب العالمين: "فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الحجر: 92 – 93). كما توعد من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فقال جل من قائل: "..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة: 85).
صدق الله العظيم.



تعليقات
إرسال تعليق