زي المرأة المسلمة


*مقتبس من كتابنا: (المرأة المسلمة، بين تحرير الوحي وقيود الفهم)


من القضايا التي لا يكتملُ الحديثُ عن المرأةِ بدونها: قضيّةُ زيِّها، ونعني هنا زيَّ المرأةِ المُسلِمةِ على وجهِ التحديد، حيثُ شاعَ الخلطُ بينَ الزيِّ التقليديِّ في بعضِ المجتمعاتِ العربيّةِ، وبينَ الزيِّ الإسلاميِّ الصحيح. والواقعُ أنّ الوحيَ لم يفرضْ شكلًا معيّنًا للزيِّ، بل وضعَ ضوابطَ عامّةً يسعُها كلُّ زيٍّ يُحقِّقُها، بما ينسجمُ مع عالميّةِ الإسلامِ، وشريعتِه الصالحةِ لكلِّ زمانٍ وحالٍ ومكان.

ولسنا هنا في مَعرِضِ الاعتراضِ على ما يُعرَفُ اليومَ بالحجابِ "الشرعيِّ" أو العباءةِ، إذا كانتِ المرأةُ قد اختارتْهُما بإرادتِها، كما لا نقولُ إنّ منِ التزمتْ بهما قد خالفتِ الشريعةَ، بل نُؤكِّدُ أنَّ الالتزامَ بالزيِّ الإسلاميِّ يتحقَّقُ من خلالِ استيفاءِ شروطٍ محدَّدة، وهي: أن يكونَ فضفاضًا غيرَ واصفٍ، غيرَ شفّافٍ، ساترًا لما عدا الزينةِ الظاهرةِ، مُحكَمَ الإغلاقِ، وألّا يُؤدِّيَ العملُ أو الحركةُ إلى كشفِ ما يجبُ سترُه. ولذا، فإنَّ العملَ الوحيدَ المُحرَّمَ على المرأةِ هو ما يستلزِمُ إظهارَ شيءٍ من الزينةِ التي أُمِرَتْ بإخفائها.

أمّا الرأسُ والشَّعرُ، فليسَا من الزينةِ التي نصَّ الوحيُ على وجوبِ سترِها، إذ إنَّ الزينةَ الظاهرةَ تشملُ ما كان ظاهرًا خِلقةً، كالرأسِ، والشَّعرِ، والوجهِ، والكفَّين، والقَدمَين، والعُنق. وعليه، فإنَّ زيَّ المرأةِ المُسلِمةِ هو الزيُّ المُحتشِمُ، لا شكلًا تقليديًّا بعينِه، بل هو كلُّ زيٍّ يستوفي الضوابطَ الشرعيّةَ، ثمّ يأتي بعد ذلك الذوقُ الشخصيُّ، والعُرفُ، والطَّقسُ. وهذا ما يُحقِّقُ للمرأةِ الراحةَ، والحريّةَ، والأناقةَ في آنٍ واحد. 

الآية المحورية في زي المرأة

قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).


"الخُمُر":

هي جمع "خِمار"، وهو ما يُستعمَل للتغطية والستر. ورغم شيوع استعماله للإشارة إلى غطاء الرأس، إلّا أنّ دلالته اللغوية أوسع، إذ يُشتقّ من الجذر "خَمَر"، الذي يدلّ على التغطية مطلقًا، دون تقييد بعضوٍ معيّن من الجسد.

يُقال: "خَمَّرَ الشيءَ" أي: غطّاه.

ومن ثمّ، فالخِمار هو كلُّ ما يُرخى أو يُسدل بقصد التغطية، سواء كان على الرأس أو غيره.


"وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ":

الضَّرْب: فعلٌ يدلّ على إلقاءِ شيءٍ على آخر بشدّةٍ أو بقصد، أي الإلقاء أو الإسدال بقوّة. وهو في هذا السياق تعبيرٌ قرآنيّ بليغ يدلّ على تغطيةٍ واضحةٍ ومقصودة. أي: ليُلقِين خُمُرَهُنّ على جُيُوبِهِنّ إلقاءً ظاهرًا.

"الجُيُوب":

جمع "جيب"، وهي فتحات الثياب التي تخرج منها أطراف الإنسان، كاليَدين والقدَمين والرأس، والتي قد تُظهر شيئًا من الصدر، وليس المقصود بها أعضاء الجسد نفسها.. قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ..﴾ (النمل: 12)، أي: في فتحة الثوب من جهة الصدر. 


"وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"

جَسَدُ المرأةِ كُلُّهُ زينةٌ.. "إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا": استثناءٌ قرآنيٌّ لما يظهرُ خِلقةً، دون لَومٍ أو تحريمٍ.. وما الذي "يَظهر عادةً" خِلقةً؟ الوجهُ، والكفّانِ، والقَدَمانِ، والشَّعرُ؛ وهذه كلّها زينةٌ ظاهرةٌ خِلقةً، لا يطلُبُ النَّصُّ تغطيتَها. الحصرُ في الآيةِ واضحٌ: ما تمَّ إظهارهُ خِلقةً لا يجوزُ فَرضُ تغطيتِه بلا نصٍّ. ولا يوجد نَصٌّ. 

إذاً؛ فالأمرُ في الآيةِ الكريمةِ ليس متعلِّقًا بتغطيةِ الرأسِ أو الشَّعرِ تحديدًا، بل بإلقاءِ الخِمارِ بإحكامٍ على فتحاتِ اللِّباسِ (الجُيوب)، لضمانِ سترِ ما قد يظهرُ من الزينةِ المخفيَّةِ من خلالها. والجديرُ بالانتباهِ أنَّ هذه الآيةَ جاءت مسبوقةً بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور: 30)، ثم جاءت الآيةُ التاليةُ لتشملَ النساءَ أيضًا، ممّا يُؤكِّد أنَّ الأمرَ بغضِّ البصرِ وحفظِ الفروجِ موجَّهٌ للطرفين: الذكورِ والإناثِ على حدٍّ سواء.

وفعل "غَضَّ" في اللغةِ يحمل دلالةً على الرُّقيِّ واللِّين؛ فهو لا يعني التشنُّجَ والانفعالَ كما قد يظنُّ البعض، ولا يستلزمُ إغلاقَ العينين بطريقةٍ مُصطنعةٍ أو مُنفِّرة، بل هو غضٌّ هادئٌ، نابعٌ من احترامِ الآخر، وحفظِ حدودِ اللهِ دون تكلُّفٍ أو تَنطُّع. والزينةُ الظاهرةُ – كالوجهِ واليدينِ مثلًا – لا يُطلب غضُّ البصرِ عنها في السياقاتِ الطبيعيّة، كالحوارِ أو التّعامُل؛ فهذا ممّا تقتضيه الفطرةُ والتّواصلُ الراقي بين الناس، ولا حَرَج فيه.

أمّا الغضُّ المقصودُ في الآية، فهو حين يظهرُ شيءٌ من الزينةِ المخفيّةِ دون قصد؛ فهنا يكون غضُّ البصرِ واجبًا، ولكن بأدبٍ وهدوء، لا بتكلُّفٍ أو تصنُّع. وفي المقابل، فإن تركيزَ النّظرِ بلا حاجة – حتى لو كانت المرأةُ محتشمةً – يدخل في دائرةِ النّهي؛ فالأمرُ بغضِّ البصرِ يشمل كلَّ نظرٍ لا ضرورةَ له، لا مجرّد ما يُكشَف من الزينة. 


الجلباب

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59). 

الجِلْبَاب: هو لباسٌ خارجيٌّ فَضْفاض، يُلبَس فوق الثياب، ولا تتضمّن الآيةُ تحديدًا لطول هذا اللباس، أو لونه، أو تغطيته للرأس أو الوجه. وإنما ركّز النصُّ على فعل "الإِدْنَاءِ"، أي: الإسدالُ والتقريب، بما يُحقّق مقصودَ الحِشمةِ وصيانةَ المرأةِ من الأذى.

مقصد الآية:

السترُ والوقارُ، والتمييزُ بالهيبةِ الاجتماعيّة، لا بالإخفاءِ التّام أو الانسحابِ من الحضور الإنساني.

فالآيةُ تقول: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"، أي: ليُعرَفن بالحشمة، لا لِيُخفِينَ هويّتهن. ولو كان المقصودُ من الجلبابِ أن تُخفى المرأةُ عن الأنظار، لقالت الآية: "ذلك أدنى ألّا يُعرَفن".  ولكنّها قالت: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ.."، أي: يُعرَفن بالحشمة، لا تُخفى معالِمُهُنَّ، وهذا فَرقٌ دقيقٌ وعميق.

إذًا، فالمقصودُ بالجلبابِ ليس التّمويه أو التّعتيم على شخصيّة المرأة، أو طمسَ هويّتِها، وإنّما إظهارُ سمتِها وهويّتها الإسلاميّة الوقورة. والغايةُ الأساسيّة: التّميّز بالحشمةِ حتّى تُصانَ ولا تُؤذى. 


"وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ":

الضَّرْبُ بالأرْجُلِ كِنايةٌ عن كلِّ فِعْلٍ قد يُؤدِّي إلى إظهارِ شيءٍ من الزِّينَةِ غيرِ الظَّاهرةِ خِلقةً. ويشمل ذلك كلَّ عملٍ، أو سلوكٍ، أو حركةٍ تُظْهِرُ أو تَكْشِفُ عمدًا شيئًا من الزينةِ التي أُمِرَتِ المرأةُ المسلمةُ بإخفائها، سواءٌ كان ذلك بصوتٍ، أو حركةٍ، أو لباسٍ، أو وظيفةٍ تُفْضي إلى ذلك. فكلُّ فِعْلٍ يُؤدِّي إلى إظهارِ الزِّينَةِ غيرِ الظَّاهِرَةِ خِلْقةً، عَمْدًا أو عبرَ وسيلةٍ غيرِ مباشرةٍ، فهو مُحرَّمٌ على المرأةِ المُسلِمة.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتَّصفَ لِباسُ المرأةِ المُسلِمةِ الخارجي بما يأتي:

1. أن يكون فَضْفاضًا، غيرَ واصفٍ لمعالِمِ الجسد.

2. أن يكون غيرَ شَفَّافٍ، فلا يُرَى ما تحتَه.

3. أن يكون ساترًا لما عدا الزينةَ الظاهرةِ خِلقةً.

4. أن يكون مُحْكَمَ الإغلاقِ من جهةِ الجيوبِ، بحيث لا يُخشى انكشافُ ما تحتَه.

5. وألَّا يكون فيه ما يُفضي إلى كشفِ شيءٍ ممّا يجبُ سترُه، سواءٌ عند الجلوس، أو القيام، أو أداءِ أيِّ حركةٍ طبيعيَّةٍ.

في ضوءِ هذه الضوابط، فإنَّ العملَ الوحيدَ المُحَرَّمَ على المرأةِ المسلمة - في هذا المقام - هو ما يَسْتَلْزِمُ إظهارَ شيءٍ من الزينةِ التي أُمِرَتْ بإخفائِها.

أمَّا الرأسُ والشَّعْرُ، فليسا من الزينةِ غيرِ الظاهرة، أو من الجيوبِ التي نصَّ الوحيُ على وجوبِ سترِها؛ إذ إنَّ الزينةَ الظاهرةَ تَشْمَلُ ما كان ظاهرًا خِلقةً، كالرأسِ (الشَّعْرِ والوجهِ)، والكفَّيْن، والقَدَمَيْن، والعُنقِ، وليس الصدرَ؛ فالصدرُ واجبٌ تغطيتُه. 


"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ"

قالَ تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 32 - 33). 

الخطابُ في هذه الآياتِ من سورةِ الأحزابِ (34 - 28) مُوجَّهٌ خصوصًا إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ بصيغةٍ مباشرة، لكنه يُقدِّمُ نموذجًا يُقتدى به أيضًا لنساءِ المؤمنين.

جاء في تفسيرِ الوسيط: "أي: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ، لقد أعطاكُنَّ اللهُ -تباركَ وتعالى- من الفضلِ ومن سُموِّ المنزلةِ ما لم يُعْطِ غيركنَّ، فأنتنَّ في مقامِ القدوةِ لسائرِ النساء، وهذا الفضلُ كائنٌ لَكنَّ إنِ اتقيتنَ اللهَ -تباركَ وتعالى- وصنتنَ أنفسكنَّ عن كلِّ ما نهاكنَّ -سبحانه- عنه. ومعنى قولِه: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ: لستُنَّ كجماعةٍ واحدةٍ من جماعاتِ النساء. أي: إذا استقصيتَ أُمَّةَ النساءِ جماعةً جماعة، لم تُوجَدْ منهنَّ جماعةٌ واحدةٌ تُساويكنَّ في الفضلِ والسَّابقة. وجوابُ الشرطِ في قولِه: "إِنِ اتَّقَيْتُنَّ" محذوفٌ لدلالةِ ما قبلَه عليه. أي: إنِ اتقيتن، فلستُنَّ كأحدٍ من النساء. قال الآلوسي: قولُه: "إِنِ اتَّقَيْتُنَّ" شرطٌ لنفيِ المثْليةِ وفضلهنَّ على النساء، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليه المذكور… والمفعولُ محذوف. أي: إنِ اتقيتن مخالفةَ حُكمِ اللهِ -تباركَ وتعالى- ورضا رسولِه ﷺ، والمرادُ: إن دمتنَ على اتّقاءِ ذلك". 

وقالَ القرطبي: "فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ"، أي: لا تَلِنَّ القول. أمرهُنَّ اللهُ أن يكونَ قولُهُنَّ جَزْلًا، وكلامُهُنَّ فَصْلًا، ولا يكونَ على وجهٍ يُظْهِرُ في القلبِ علاقةً بما يظهرُ عليه من اللينِ، كما كانت الحالُ عليه في نساءِ العربِ من مُكالمةِ الرجالِ بترخيمِ الصوتِ ولِينِه، مثلَ كلامِ المُريباتِ والمومِساتِ".


"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ":

"وقرن" من الوِقارِ والسَّكينَةِ.. فالآيةُ تَدعو إلى الاستِقرارِ في البيوت، لا على وَجهِ الحَبسِ أو المَنعِ، بل على وَجهِ الوِقارِ والسَّكينَةِ، أي الثباتِ والرَّزانةِ والهُدوءِ الذي يَلِيقُ بمقامِ المرأةِ المُؤمِنة. ويَتَّضحُ هذا من تكملةِ الآية: "وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ".

أي: إن النهيَ ليس عن الخروجِ نفسِه، بل عن الخروجِ المقترِنِ بالتبرُّجِ المخالفِ للوقارِ والحِشمة. هكذا تُفْهَمُ الآيةُ ببساطةٍ، دون تشنُّجٍ أو تَنَطُّع.

وجاء في تفسيرِ البغوي: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"، قرأ أهلُ المدينةِ وعاصمٌ: "وقَرْنَ" بفتحِ القاف، وقرأ الآخرونَ بكسرِها. فمن فَتح القافَ فمعناه: "اقْرَرْنَ"، أي: الزَمْنَ بيوتكنَّ، من قولِهم: قررتُ بالمكانِ أقرُّ قرارًا. ومن كسر القافَ، فقد قيلَ: هو من "قررتُ أقرُّ"، معناه: اقررنَ، وهو الأصحُّ، أنَّه أمرٌ من الوقارِ، كقولِهم في "الوعد": عُدن، ومن "الوصل": صِلن، أي: كُنَّ أهلَ وقارٍ وسكون، من قولِهم: "وَقَرَ فلانٌ يَقَرُ وُقُورًا"، إذا سَكَنَ واطمأنَّ. 

(وَلَا تَبَرَّجْنَ) قال مجاهدٌ وقتادةُ: التبرُّجُ هو التكسرُ والتغنُّج.. وقال ابنُ أبي نجيحٍ: هو التبخترُ. وقيل: هو إظهارُ الزينةِ (الزينةُ غيرُ الظاهرةِ خِلقةً) وإبرازُها للرِّجال.

واختلفوا في "الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ"، فقيل: كانت المرأةُ تلبسُ قميصًا من الدُّرِّ غيرِ مخيطٍ من الجانبين، فيُرى خَلقُها فيه… وقيل: إن المرأةَ كانت تتخذُ الدِّرعَ من اللؤلؤ، فتلبسُه، وتمشي وسطَ الطريقِ، ليس عليها شيءٌ غيره، وتعرضُ نفسها على الرجال".


مضاعفةُ العذاب 

قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب: 30). 

مضاعفةُ العذابِ لا تعني حكمًا مختلفًا (كالقتلِ أو الرجم)، بل زيادةً في نفسِ العقوبةِ المحدَّدةِ في آياتٍ أخرى.

وقد بيَّن اللهُ تعالى في سورةِ النور أنَّ حدَّ الفاحشةِ (الزِّنا) هو الجلد: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2). وبالتالي، مضاعفةُ العذابِ لنساءِ النبي = 200 جلدة، وليس الرجم؛ لأنَّ الرجمَ لا يُضاعَف. فقط الجلدُ يمكن أن يُضاعف، وهذا ينفي أصلًا فكرةَ الرجمِ من أساسِها، كما ثبت معنا في موضعٍ سابقٍ في الكتاب. 


الطَّابِعُ التَّوْجِيهِيُّ لِلآيَاتِ

آياتُ سورةِ الأحزابِ (28 - 34)، وَإِنْ كانَتْ مُوَجَّهَةً بِصورةٍ خاصَّةٍ إلى نِساءِ النَّبيِّ ﷺ، فإنَّها تَحمِلُ في الوقتِ نَفْسِهِ طابَعَ التَّوجيهِ الأَخلاقيِّ العامِّ، وتُقَدِّمُ نِساءَ النَّبيِّ قُدوةً ومِثالًا أَعلى لِجميعِ المُسلِماتِ. ومِن أبرَزِ التَّوجيهاتِ الواردةِ في هذه الآياتِ: الالتِزامُ بالقَرارِ والوَقارِ، اجتِنابُ التَّبَرُّج، وعَدَمُ الخُضوعِ بالقَولِ.

وهذه التَّوجيهاتُ تَشمَلُ سائرَ النِّساءِ المسلمات من جهةِ الاقتداءِ والاهتداءِ، لا من جهةِ الأحكامِ الخاصَّةِ بنِساءِ النبيِّ ﷺ، كمسألةِ مُضاعَفَةِ العَذابِ في حالِ الفاحِشَةِ، فإنها خاصَّةٌ بهنَّ دونَ غيرهنّ.


فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ 

قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 53). 

تَأتي هذه الآيةُ في سِياقِ تنظيمِ آدابِ دُخولِ بُيوتِ النَّبيِّ ﷺ، حيثُ تُخاطِبُ المؤمنينَ مُبَيِّنَةً كَيْفِيَّةَ التَّعامُلِ مع نِسائِهِ داخلَ البيتِ النَّبويِّ. والمقصودُ بـ"الحِجابِ" هنا: حاجزٌ مَكانيٌّ مَحسوسٌ، كستارٍ أو جدارٍ، يُحقِّقُ حِفْظَ الخصوصيَّةِ، ويَمنَعُ المُخاطَبةَ المُباشِرَةَ أو التَّطفُّلَ على الحياةِ الخاصَّةِ لأُمَّهاتِ المؤمنينَ.

فَالآيةُ لا تتناولُ موضوعَ زِيِّ المرأةِ، ولا تُشكِّلُ تَشريعًا عامًّا في شَأنِ اللِّباسِ، بل تُرَسِّخُ مَبدَأَ احترامِ البُيوتِ وأهلِها، لا سِيَّما عند وُجودِ النِّساءِ فيها. كما يَربِطُ السِّياقُ بين انتهاكِ هذهِ الخصوصيَّةِ وإيذاءِ النبيِّ ﷺ، مِمَّا يُظهِرُ خُطورَةَ التَّعدِّي على حُرْمَةِ بيتِ النُّبُوَّةِ.

ويَظهَرُ مِن سياقِ الآيةِ أنَّ الأمرَ بـ"سُؤالِهِنَّ مِن وراءِ حِجاب" جاءَ بعدَ الحديثِ عن دُخولِ البُيوتِ، والطَّعامِ، وآدابِ الجُلوسِ والكلامِ، وهو ما يُبَيِّنُ أنَّ المقصودَ هو تَنظيمُ العَلاقةِ داخلَ البيتِ، لا بيانُ حُكمٍ عامٍّ في زِيِّ المرأةِ، وهو ما تناولَتْهُ آياتٌ أُخْرَيَاتٌ في غيرِ موضِعٍ.

     ❖ ❖ ❖


تعليقات

المشاركات الشائعة