هل تُعدّ الملكيةُ الوراثيةُ نظامًا كُفريًّا؟

 


أود في هذا المقال أن أوضح نقطة جد هامة فيما يتعلق بكفرية الأنظمة الوراثية؛ إذ قال لي أحد المسعودين قبل أيام معترضًا: ما الدليل على أن الحكم الوراثي غير شرعي؟ بل ويُعد كفريًا؟ هذا السؤال دفعني إلى إعادة تحرير ما كتبته سابقًا في كتابات متفرقة، مع شيء من التوضيح والتفصيل.

الحكم الوراثي 

بداية، ينبغي أن نعرف ما هو الحكم الوراثي، وهو باختصار: نظام سياسي تنتقل فيه السلطة بشكل تلقائي واحتكاري داخل أسرة حاكمة واحدة / نسل واحد، غالبًا من الأب إلى الابن، دون الرجوع إلى انتخابات أو اختيار شعبي. هذا تعريف مختصر وجامع.

الحكم الشوروي 

ثم لنأتِ الآن ونتعرف على تعريف مختصر عن الحكم الشوروي، وهو باختصار: أسلوب في الحكم يقوم على مشاركة عامة المؤمنين (البالغين العاقلين) في صناعة المصير المشترك، ومعالجة القضايا المشتركة ضمن المرجعية المشتركة (الشريعة، بما لا يتعارض معها)، كما في قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم"، ويمارس من خلال آلية (متروكة للاجتهاد والتطور والاستفادة من تجارب الآخرين في هذا الباب) تمكّن الأمة من اختيار أولي الأمر، الذين يمثلونها في مجلس شورى، وقد يكون هناك أكثر من مجلس بحسب الحاجة والمناطق المختلفة. وأولي الأمر ليس لهم طاعة منفصلة عن طاعة الله ورسوله، بل مشروطة بها، ومشروطة بأن يكونوا "منا" لا "علينا"، أي باختيارنا لا بالفرض علينا. وقد فصلنا في ذلك في كتاباتنا الكثيرة، فلتُراجع.

والآن لدينا هذا السؤال الجوهري:

هل يمكن الجمع بين الحكم الوراثي والحكم الشوروي؟

والجواب: قطعًا لا، لأن الأول يحتكر الأمر (السلطة والمال والقرار) في نسل معين، ينتقل الحكم فيه تلقائيًا دون أدنى مشاركة من بقية الناس، بينما الحكم الشوروي يقوم أساسًا، ومن اسمه، على المشاورة والمشاركة العامة الواسعة الجامعة، وأساسه الحرية والاختيار، ولا مكان فيه لفرض حاكم أو سلطة بالوراثة أو الغلبة والقهر.

ولأي شخص تختاره الأمة أن يكون ضمن أولي الأمر، دون أي اعتبار لنسبه أو جنسه. وقد قلنا: إن الشورى بما هي تشارك وتداول وحوار وحرية وسعة، لا يمكن لها أن تجتمع في آنٍ واحد هي والتوريث بما هو استبداد بالحكم، وحصره في سلالة واحدة دونًا عن بقية الشعب أو الأمة. فإذا حضر التوريث، قُضي على الشورى، وكان الاستبداد والإكراه وتكميم الأفواه والتسلط والاستئثار بالقرار والسلطة والمال. وإذا كانت الشورى، انتفى التوريث، وحلّ التشارك والتداول والحوار والتوافق وحرية الاختيار والكلام والاعتراض.

الخلاصة الجوهرية:

فإذن، نصل مما تقدم إلى نقطة جوهرية واضحة، هي أن حكم الله في مسألة (السلطة) هو: "وأمرهم شورى بينهم"، "وشاورهم في الأمر"، أي الشورى. والشورى، كما تبين، هي على الضد من التوريث. فمن تبنّى التوريث كفر بالشورى، والعكس صحيح.

ولأن الأمة متفقة على أن من رد حكمًا من أحكام الله، في أي مسألة من المسائل، فقد كفر، والأدلة على ذلك كثيرة: "..وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة: 44)، وهذه الآية عامة، تشمل اليهود، ولا تقف عندهم، وتشمل أتباع الرسالة الخاتمة من باب أولى، كيف لا، ولديهم الكتاب الجامع الكامل المهيمن؟!

وسبق أن قلنا ونؤكد أن الإسلام منهج كامل، لا يقبل أن يُجزّأ؛ قال تعالى: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة: 85). ويقول تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة: 49 - 50).

فإذا كان الأمر كذلك، عرفنا أن من رد الشورى (حكم الله) بتبني التوريث، مع علمه ووعيه بذلك، فقد كفر بحكم من أحكام الله تعالى في مسألة عظيمة، وحق لنا أن نقول عنه: كافر، ونصف نظامه الوراثي بالكفري.

وهذا لا يخص الحكم الوراثي فحسب، بل يشمل كل الأنظمة الاستبدادية والاحتكارية والإقطاعية والكهنوتية التي تُقصي الأمة، وتغلق باب الحرية والشورى والمشاركة.

فالأمة - بكل أفرادها - هي المُخاطَبة بنصوص الوحي، وهي المسؤولة أمام الله عن إقامة العدل والحرية، وتحكيم الشرع، وعن اختيار أولي الأمر الذين يمثلونها بحق، وليسوا مفروضين عليها بأي شكل من الأشكال.

هذا، والسلام.

تعليقات

المشاركات الشائعة