الأئمة من اختيار الأمّة
الأئمة من قريش أم من اختيار الأمة؟
(مقتبس من كتابنا: المرجع الأعلى في الإسلام).
ثم بعد أن عرفنا كل ذلك، بقي أن نوضح أن ما يدعو إليه البعض، بأن الحكم ينبغي أن يحصر في سلالة معينة، هي قريش، مستندين إلى رواية: «الأئمة من قريش»، واعتبارهم هذه الرواية منسوبة إلى النبي الأكرم ﷺ، هو بلا شك ضرب للنص القرآني بعرض الحائط. فكيف يجتمع أن يجعل الله الشورى مطلقة بين كل الأمة، وأن يجعلها بين فريضتين هما الصلاة والزكاة: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى: ٣٨)، ثم بعد ذلك يأتي من أنزل عليه الوحي ليقول عكس ما قاله الله بالضبط؟! هذا إذن كذب بيّن على رسول الله ﷺ، واتهام له بعصيان أمر الله، حاشاه!
ولسنا ممن يلتفت إلى الأسانيد أو يعطيها كبير قيمة في قضايا الدين، وإنما قد يعتد بها في البحث التاريخي وحسب، ولا يؤسس عليها اعتقاد، ولا يقوم بها حكم شرعي. إنما القرآن هو وحده مصدر الاعتقاد والأحكام، وكل ما له علاقة بهذا الدين؛ لأنه كلام الله جل جلاله، وقد تعهد سبحانه بحفظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: ٩)، {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ..} (التوبة: ١١١). وهو الحق المطلق، وما دونه يعرض عليه ويحتكم إليه (أي إلى القرآن)، ولا يقدم عليه مطلقا ولا يعارضه.
ونحن، في تعاملنا مع المرويات المنسوبة إلى النبي الأكرم ﷺ، ننظر أولا وآخرا إلى المتن، أي محتوى الرواية. فإن هي وافقت القرآن، أو على الأقل لم تعارضه، أخذنا بها، ولم نردها دون أن نطيل النظر في سلسلة الرواة والناقلين. وفي هذا يتبين موقفنا بوضوح من كل الروايات، وما نسب إلى الرسول، وليس كما يتهمنا المفترون الدجالون المضلون بأننا نرد كلام نبينا ﷺ! حاشا وكلا، وقطعت ألسنتنا إن نحن رددنا كلامه! وإنما القصة كلها أننا نقول: هل حقا قال النبي ذلك أم لا؟ وكيف يمكن إثبات ذلك؟
لا يوجد سوى معيار واحد، هو القرآن، الذي هو حق كله، ومحفوظ كله من رب العالمين. هو المعيار الحق الذي به نستطيع أن نحدد تلك الرواية: هل حقا قالها أم لم يقلها؟ فإن عارضت كتاب الله أعرضنا عنها، وإن لم تخالف ظاهر النص القرآني قبلناها، وإن لم تحقق معايير أهل الأسانيد.
وبالتالي، ما دام لا يُقبل إلا ما وافق القرآن، فإن الاكتفاءَ بالقرآن وحده مغنٍ عن كل ما عداه.. وأن نقبل قولا منسوبا إلى النبي ﷺ يتفق مع القرآن، وإن لم يثبت من جهة السند، خير وأصح، بميزان القرآن، من أن تنسب إليه شيئا قد حقق معظم معايير أهل الحديث والأسانيد، ولكنه يعارض القرآن؛ فهذا هو الافتراء بعينه على رسول رب العالمين، ورحمته المهداة للمخاليق.
فحين نرى نصًا صريحًا في القرآن يقول: {.. وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ..}، أو {.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ..}، ثم يؤتى برواية تحصر تلك الشورى في نسل أو سلالة معينة، فذلك مما يعارض صريح النص القرآني، ويصدّ عنه، وتُشتمّ منه رائحة العصبية الجاهلية النتنة. ولما كان هذا موقفنا ومنهجنا من هذه الرواية وما شابهها، لم يعد حينئذٍ هناك داعٍ لمزيد تفصيل في الأمر. القرآن إمامنا، وليس المرويات التي فيها الغث والسمين، والحق والباطل، والصحيح والمكذوب. القرآن هو الحاكم على كل رواية، وهو معيار قبولها أو رفضها.
إذن، نحن نرفض، ونرد، ونستنكر دعوات جعل، أو حصر، الخلافة أو الحكم لأحد من قريش! فهذا كفر صريح بنص بيّن لا يحتمل أي تأويل. الله قال: الأمر، أي مطلق الأمر، شورى بينكم، أي كلكم، كل الأمة، كل من استجاب لله رب العالمين وشرعه القويم ورسوله الكريم، وليس قريش وحدها.
❁ ❁ ❁
شروط الإمامة
وشروط الإمامة أو تولي السلطة تتمثل في أن يكون الحاكم مسلمًا، عاقلًا، واعيًا بالشرع والواقع وتحولاته، مطلعًا على العلوم الدنيوية المختلفة، صحيح العقل والبدن، مختارًا من الأمة (لأنه إذا لم يكن مختارًا، فهو متغلّب معتدٍ، وإذا كان متغلّبًا معتديًا، أصبح قتاله واجبًا حتى عزله أو قتله)، وبناءً على مؤهلاته، لا بناءً على نسبه أو مكانته الاجتماعية، ملتزمًا بشرع الله، وبما تختاره الأمة ضمن دائرة الشريعة السمحاء، وبما لا يتعارض معها، وبما يحقق مقاصدها، وأن تتحقق فيه بقية الشروط التي تحددها بعد ذلك اللجان المعنية بفرز المرشحين في العملية الانتخابية.
هذا، مع التنويه إلى أن الحاكم في النظام الإسلامي مقيّد بقيود كثيرة؛ لأن طبيعة النظام السياسي الإسلامي أنه جماهيري نيابي، ويميل إلى اللامركزية. فهو جماهيري من جهة أن كل الجماهير مشاركة في عملية صنع القرار، من خلال وجود مجالس ومؤتمرات جماهيرية شورية، حتى على مستوى القرى والمحافظات، وهو نيابي من جهة أن تلك المجالس والمؤتمرات بالتفويض، أي مفوّضة ومختارة من قبل بقية الناس في كل منطقة، فهي تنوب عنهم وتمثلهم.
فهو جماهيري نيابي في الوقت ذاته، ونوّاب الأمة (أولو الأمر المنتخبون/المفوّضون) في نهاية المطاف هم صنّاع القرار الحقيقيون، لا الحاكم العام. وهذا لا يعني انعدام دوره، لكن ليس بأن يعارض إرادة الأمة، بل بمعنى أنه قادر على الفعل والإنجاز دون أن يتصادم مع إرادة الأمة ومسلّماتها، المتمثّلة حصرًا في المرجعية الإسلامية، ممثّلة بالنص القطعي (الوحي).
والمجالس والمؤتمرات الشورية عبارة عن دوائر متداخلة تبدأ من القواعد الشعبية في القرى، وتمتد وتكبر حتى المحافظات، فالمدن، وحتى العواصم الكبرى للكيانات الإسلامية؛ فتكون بذلك قد حققت تمثيلًا على أوسع نطاق ممكن، ولكل المستويات والفئات.
وكل من هو بالغ، عاقل، مسلم، يستطيع المشاركة في صنع مصيره ومصير الأمة. وبالتالي، فالحاكم في كل الأحوال محدود الصلاحيات، لا مطلق السلطات، مقيّد بما تقرره الأمة ضمن دائرة الشرع الحنيف. وله، كما قلنا آنفًا، دور وفاعلية، ولكن دون المساس بإرادة الأمة ومرجعيتها الإسلامية.
وليس هذا المنصب حكرًا على الذكور وحدهم؛ فقد تصل المرأة إليه إن كانت مؤهلة وجديرة به، وتحققت فيها الشروط المذكورة.


تعليقات
إرسال تعليق